نشر في مجلة المستقبل العربي – البيروتية عدد كانون الثاني 2005
تبت اياديهم .. أنهم يقتلون الشيعة على الهوية ..!؟
الجزء الاول
انتشرت خلال الاسبوع الماضي اشاعة مفادها ان مسلحين ،ملثمين اقاموا حاجزا للتفتيش على طريق الحلة - بغداد ، وتحديدا بالقرب من ناحية اللطيفية ، وانهم كانوا يحملون صورة الامام علي ، يتعمدون ايقاف السيارات ،للاستفسار من الركاب واحدا واحد ، عن هويته المذهبية ، ما اذا كان شيعيا او سنيا ، فاذا قال أنه شيعي قتلوه ، واذا قال سنيا ، يطلبون منه شتم الامام على ، للتأكد .
في البدء هناك ملاحظتان على زمن ظهور هذه الشائعة والطريقة التي انتشرت بها : الاولى انها انتشرت بسرعة ليس داخل العراق فقط ، بل في جميع انحاء العالم ، وفي اي مكان يتواجد به العراقيون . مما يُظهر أن هناك حملة منظمة لنشر هذه الاشاعة عبر جماعات منظمة ايضاً ومرتبطة بخط واحد وبتوجيهات مركزية . ثانياً : انها ظهرت خلال فترة الهجوم على الفلوجة ، بالضبط بعد اتضاح الصورة عن حجم الجرائم التي مارستها قوات الاحتلال في المدينة واهلها .سنناقش دلالة هاتين الملاحظتين فيما بعد .بالمقابل فأن مقاتلي البيشمركة ( وهم سنة ) ، ومقاتلي قوات بدر التابعة للمجلس الاسلامي والتي شاركت قوات الاحتلال بالهجوم على الفلوجة تحت اسم الحرس الوطني ، رفعت عند دخولها الفلوجة صور السيد السستاني ، والمرحوم السيد باقر الحكيم ، لخلق انطباع عند اهل الفلوجة انهم يقاتلون بامر من المرجعية الشيعية ، او بالنيابة عن الشيعة .
اغرب ما في الامر ان السيد عبد العزيز الجكيم ، في مقابلة اجرتها معه محطة العربية امس 22 / 11 / 2004 تحدث عن حادثة سب الامام علي (ع ) ليوحي أنها وقعت فعلاً ، وتلاقفها بعض الماجورين وبعض الجهلة ليكتب عنها في الانترنت وكانها فعلا واقعة اكيدة ، مع العلم لم نجد من يقول انه تعرض لمثل هذا الحادث ، باعتبار ان كل الذين تعرضوا للحادثة قتلوا . كما ان مبدا التقية عند الشيعة يبيح للشيعة في مثل هذه الحالات ، شتم الامام علي (ع) على اساس حديث منسوب للامام علي ، يوصي به شيعته " اما السب فسبوني ، واما البراءة فلا تتبرؤ مني " ، وهو القول الذي تشكل على اساسه مبدأ التقية أصلاً .أي أنه يبيح شتمه أذا كانت الشتيمة تحقق الخلاص من موت محقق . وتصبح الشتيمة هنا فرض ديني .
من الامور ذات الدلالة بهذه القصة هي رفع قطاع الطرق هؤلاء لصورة الامام علي وطلب شتمه ، ما يجعلها في موضع الشك ، وكأن الامام علي مجرد رمز خاص بالشيعة بحيث يمكن ان يشتمه السني بسهولة ،مع ان المفارقة الغريبة ان من الاسهل على الشيعي شتمه كا قلنا بمثل هذه الحالات ، مما يجعل السني اكثر حراجة في ان يشتم صحابيا ، ابن عم رسول الله ، ورابع الخلفاء الراشدين ، زوج ابنة الرسول السيدة فاطمة الزهراء . فما لايعرفه بعض الجهلة ، الذين رفعوا الصورة ( في حالة افتراض حصول الواقعة ) ، هو ان قدسية الامام علي عند السنة لاتقل عما هي عند الشيعة ، الا بالدرجة والصفة ، فهو الصحابي الجليل ، الورع التقي عند السنة ، الذي كرم الله وجهه ولم يسجد لغير الله ، كما حصل لبعض الصحابة قبل ظهور الاسلام . اما الشيعة فيعتقدون أنه امام معصوم ، وان عصمته جاءت بامر من الله ، نقلها النبي (ص ) في حجة الوداع في موقع يقال له غدير خم ، ولاينكر الكثير من علماء السنة هذه الخطبة لكنهم يفسرونها بطريقة مختلفة (1). فالسنة قد يختلفوا مع الشيعة على بعض معتقداتهم ، الا ان هذا الخلاف ، لايشمل الامام علي (ع ) ، عند اهل السنة ، بل شيعته لذلك فان رفع صورة الامام علي وطلب شتمه ان كانت وقعت الواقعة فعلا ، فهي دلالة على احد امرين ان لايكون حملة الصورة من المسلمين ، اي انه لايعرف ان السنة يتحرجون من شتم الامام علي حتى اكثر من الشيعة اذا اخذنا موضوع التقية بنظر الاعتبار .ولم يحصل في التاريخ ان سمعنا سنيا فقيهاً او رجلاً عادياً ليس فقط يتنزه عن الشتيمة ، بل هو يشعر بمواجهة ذكر الامام بالخشوع والرهبة .باستثناء السنة النواصب ، اي الذين يناصبون الامام علي واهل بيته بالعداء ، وهم لاوجود لهم على ارض الواقع ،واصطلاح النواصب هذا نتاج عملية التنافس او الاتهامات التي يطلقها بعض من رواد هذا المذهب او ذاك على الطرف الاخر ، فابتدع مصطلح النواصب ، بمواجهة مصطلح الرافضة ، الذي يطلقه بعض متطرفي السنة على الشيعة اي انهم يرفضون الاقرار بشرعية خلافة الخلفاء الراشدين الثلاثة الاوائل ، لاعتقادهم ان النبي اوصى في غدير خم بتولي الامام علي من بعده. .
كما يجب ألاخذ بنظر ألاعتبار ، أنه لم يتصاعد الخلاف بين السنة والشيعة في العراق الىحد الخصام ،والاقتتال ، خلال القرن الماضي على الاقل ، ولم يصادف ان شيعيا قتل سنيا او العكس بسبب انتماءه ، وتعايش ابناء الطائفتين بسلام وتعاون ، وتزاوج الابناء من كلا الطرفين دون أن يؤخذ بنظر ألاعتبار ألانتماء الطائفي للزوج ألاخر ، باستثناء حادثة واحد حصلت عرضا في سامراء ، تمكن المرجع الشيعي الميرزا الشيرازي من استيعابها ومنع تطورها رغم ان القنصل البريطاني سافر الى سامراء عارضا على الميرزا الشيرازي استعداد بريطانيا العضمى للقصاص من قاتل ابنه ، الا أن الميرزا رفض مقابلته معتبرا ان المشكلة هي بين ابناء دين واحد وبلد واحد ولا دخل للغرباء بها ، وان هذه المشكلة ما هي الاحادث بسيط بين اخوين (2). وعندما هاجم الاخوان الوهابيين بعض العشائر العراقية الشيعية في اطراف مدينة الناصرية عام 1924، قاد الشيخ مهدي الخالصي حركة الاحتجاج ضد هذا الهجوم ، وعقد مؤتمرا في كربلاء مطالبا حكومة الاحتلال ببناء الجيش العراقي القوي ليحمل مسؤولية الدفاع عن الحدود والحفاظ على امن المواطن العراقي ، وتسليح العشائر العراقية كي تتولى الدفاع عن نفسها الى حين اكتمال بناء الجيش القوي القادر على اداء مهماته، وقف كل ابنا السنة في بغداد وتكريت والموصل وسامراء مع الشيخ الخالضي وارسلوا الوفود الى كربلاء ، استجابة لطلب الشيخ الخالصي وعرضوا استعدادهم للوقوف بجانب العشائر الشيعية ، لمنع تكرار الامر . هذا في حين انشقت بعض العشائر الشيعية الموالية للانكليز على مؤتمر كربلاء ، وعقدت مؤتمرا مضاد في الحلة ، مطالبين ببقاء الاحتلال ،والعهدة لقواته بالمحافظة على الامن والدفاع عن الحدود العراقية .(3)
تعكس قصة الخلاف بين الشيخ ضاري والكولونيل البريطاني ليجمن نموذجا اخر من التلاحم الشيعي السني ، بمواجهة الاحتلال ، واستعداد العشائر السنية في السير تحت قيادة المرجعية الشيعية عندما تلتزم بالمصالح الوطنية العراقية ، وتقف في موقع القيادة الوطنية لجميع العراقيين ، فعندما ارسل الميرزا محمد تقي الشيرازي مندوباً عنه يدعو عشائر الفلوجة والرمادي للانضمام لثوار ثورة العشرين كان الشيخ ضاري واحد من ثلاثة شيوخ ممن أستجابوا لفتوى الميرزا محمد تقي الشيرازي ، اضافة للشيخ خضير الحاج عاصي رئيس الجنابات ، والشيخ علوان الشلال شيخ البو محيي .وباشروا بمهاجمة القوات البريطانية في المنطقة ، مما اضطر الكولونيل ليجمن الاجتماع بشيوخ العشائر في المنطقة ،محاولا اللعب عبى اوتار الطائفية لتهدئة العشائر العربية في الفلوجة والرمادي ، فتصدى له الشيخ ضاري ليقول : " ليس في العراق شيعة وسنة بل فيه علماء اعلام نرجع اليهم في امور ديننا. أن علماءنا حكومتنا وقد أمرنا القرآن باطاعة الله والرسول وأولي الامر منا ، فأذا أعتديتم عليهم فأننا سننتصر لهم ونحاربكم بجانبهم ، والاولى أن تلبوا ما أرادوا ." (4)
تصاعد العداء بين الشيخ ضاري ولجمن الى حد اغتيال لجمن ، وفرار الشيخ ضاري ثم القاء القبض عليه والى اخر القصة المعروفة . والشيخ ضاري هو جد الشيخ حارث الضاري ، رئيس هيئة العلماء المسلمين الحالية.
أن تصعيد الشيخ ضاري ، وهو السني ، لخلافه مع المحتلين الانكليز أستجابة وطاعة لأمر المرجع الشيعي الاعلى ،في حينها ؛ الميرزا محمد تقي الشيرازي ، مقابل سعي بعض شيوخ القبائل الشيعية عند سلطة الاحتلال للايقاع او التخلص من محمد رضا الشيرازي ، ابن المرجع ، وشكواهم منه ، بسبب نشاطاته المعادية للاحتلال ،(5) ، يعني أن المرجعية الدينية الشيعية ،تستطيع ان تتجاوز حدود هيبتها وسلطتها المذهبية ، وتنطلق للافاق الاسلامية الاوسع ، عندما تتبنى القضايا الوطنية العامة ، فتستقطب غالبية السنة ، وتنفر اقلية شيعية ، خارجة على الاجماع الوطني ، رافضة لكل قيمه وثوابته بما فيها المرجعية .
أن موقف بعض العشائر الشيعية من محمد رضا ابن المرجع الميرزا محمد تقي الشيرازي ، يذكرنا بموقف بعض رجالات الدين الشيعة من السيد مقتدى الصدر ابن المرجع السيد محمد صادق الصدر ، كما يذكرنا بان التوجهات النفعية لادين لها ولا مذهب ، وعندما تتلبس بالدين او المذهب تاخذ لبوسها هذا علىاساس حسابات الربح او الخسارة ، وليس العقائد او رضى الله .
أن التلاحم السني – الشيعي في العراق ، لم يكن نتاج التعايش الطويل بين الطائفتين ، ووعي الناس بانعدام الفروق الكبيرة بين المذهين الى الحد الذي يستوجب القطيعة ، فقط ، بل يعود لحقيقة ان العشائر العربية الكبيرة موزعة بين الطائفتين ، كعشائر شمر والجبور والجنابات وزبيد والعبيد وربيعة ، وحتى عشائر الدليم – عشائر الفلوجة والرمادي – موزعة بين المذهبين ، فعشيرة آل فتلة الشيعية التي تقيم بين الديوانية والنجف ، تنتسب بالاصل الى عشائر الدليم السنية (6).
كما ان اتصال النجف الجغرافي بمحافظة الرمادي عن طريق الصحراء الغربية ، جعل منها مركزا تجاريا مهما للتسوق بالنسبة لعشائر الدليم ، الامر الذي خلق صلاتاً من الود والتزاوج بين الطرفين ، فحاج نجم البقال ، احد قادة ثورة النجف ضد الاحتلال البريطاني عام 1918 ، هو رجل من وجهاء النجف ، دليمي الاصل . (7)
والجنابات ، وهم اكبر العشائر القاطنة في منطقتي اللطيفية واليوسفية ، وهي العشيرة المتهمة ظلما بالتعصب الطائفي منقسمة في ولائها بين التشيع والتسنن . ووقفت في مقدمة العشائر التي استجابت لدعوة الميرزا الشيرازي للانضمام الى جانب ثوار ثورة العشرين .لذلك لايمكن ان تتطرف او تتورط بأي نشاطات طائفية يمكن ان تتصاعد الى حد الاحتراب . لانها ستتعرض لاقتتال داخلي بين ابناءها ، ولا نعتقد انها معنية او مستفيدة من هكذا تصرفات .
أن التلاحم السني – الشيعي ، كما تشير الوقائع على الارض ، والتجارب التاريخية التي تطرقنا لها بسرعة ، عادة ما يتصاعد ويقوى في اوقات الازمات الوطنية خاصة وكما لاحظ ذلك عالم الاجتماع العراقي الدكتور علي الوردي . ودينيا او مذهبيا لايمكن ان يتجرأ احدا من السنة على الامام علي ، لامجاملة لاخوانهم الشيعة بل لما للامام من قدسية ومكانة عظيمة عندهم .
فمن الفاعل اذا ، ولماذا ..!؟
اتصل الكاتب ببعض المهتمين والمتابعين لتطورات الوضع في العراق ،فاكدو جميعا أن هناك اشاعة بوقوع مثل هذا الامر، لااحد يستطيع ان يؤكدها او ينفيها ، لكن مصادر الاشاعة وطبيعة مروجيها تشير الى ان الفاعل هو واحدا من الاطراف التالية :
1 : بعض الاحزاب المتاسلمة الشيعية التي تريد تحقيق ثلاثة امور من اشاعة مثل هذه القصص او ممارسة مثل هذه الافعال ، منها انها اصبحت في موقف المحرج امام اعضائها ، وعامة الناس ، وفقدت مصداقيتها الدينية –الاسلامية ، وهو تقف في موقف المتفرج بل الداعم لقوات الاحتلال التي كانت والى عهد قريب جدا تمثل " الشيطان الاكبر "(8)، وهي تدنس وتهدم المساجد في سامراء والفلوجة والرمادي ، بل وتقتل الجرحى والمصابين . ففعلت هذه الحركات فعلتها هذه ،لتبرر بذلك موقفها من جرائم القوات المحتلة ، ولتخلق انطباعا عاما عند الشيعة بحيث يبدو العدوان على الفلوجة وكأنه يحقق الامن للشيعة ، ويحافظ على سلامتهم . كما تلعب الاستعدادات للانتخابات لعبتها في عقول قيادات هذه الاحزاب ، فهي تريد من الشيعة ان يلتصقوا بها ، ويدعمونها في الانتخابات ، للحصول على اكبر قدر ممكن من الامتيازات بمواجهة الفصائل الاخرى المتهافته على التعاون مع الاحتلال . وألامر ليس غريبأً او بعيداً على التصديق ، فرغم أدعاء هذه ألاحزاب بالحمية والحرص على مصالح الطائفة ، ألا أن موقفها من الانتفاضة الصدرية ، أظهر حقيقة أن هذه الحركات تعمل بأجندة خاصة بها وحدها وبما يحقق طموحات ونزعات قياداتها الشرهة في ألالتصاق بالأمور الدنيوية ، والتشدد الطائفي ليس الا جزء من بضاعتها ، ومصادر رزقها ووسيلتها لتحقيق نزعات الذات المريضة . ، وأن دماء الشيعة وممتلكاتهم ، ارخص عندهم من مقعد وزاري في وزارة لاتمتلك أية شرعية وطنية ، نصبها من كان بالامس الشيطان الاكبر
2 : ما يسمى بالحكومة المؤقتة وبالتعاون مع مخابرات الاميركية ، خاصة وان نكرو بونتي من المختصين بمقاومة الثورة وحركات التحرر ، وتاريخ خدمته في اميركا اللاتينية معروف للجميع .فقامت بمثل هذه الاعمال ، لتهدئة الجنوب الشيعي ، وامتصاص نقمته وهو يرى ابناء شعبه يقتلون بغير حق ، وتهدم منازلهم وتسبى نساؤهم واطفالهم . مثل هذه الممارسات الطائفية التي تنسب للحركات السلفية كفيلة بان تحول التعاطف مع الفلوجة الى اقرار بصحة ممارسات قوات الاحتلال ،وقبولها.
3 : هنا او هناك تشم دائما رائحة الموساد ، فالدولة العبرية تربط دائما بين حماية امنها القومي ، وبين تخريب العراق . وهي ومن يدعمها المستفيد الاول من تقسيم العراق ، الذي كان بالنسبة لها هدف معلن منذ بداية ثمانينات القرن السابق ، حيث طرح شارون بالاشتراك مع ايتان ، منذ ذلك الوقت ، خطة لتقسيم العراق والدول العربية الاخرى واسماها " استراتيجية اسرائيل للثمانينات والتسعينات " ( 9) كان شارون في وقتها ضابطا بالجيش اما الان فهو في موقع صاحب القرار القادر على توجيه اجهزة الدولة لتنفيذ خطته . وليس صعباً عليهم أن يستاجروا بضعة من المجرمين المعروضين للبيع في سوق اشباه الرجال الزاهرة في بغداد اليوم .
4: التيار الشعوبي المندس بين ابناء الطائفتين ممن يعانوا من حالة مرضية غير مبررة من الحقد على العرب . ويتذكر العراقيون المقيمين في لندن ما كان يردده بعضهم " سنجعل العرب في العراق بدون – البدون مصطلح كويتي يعني اولئك الحاصلين على اقامة طويلة في الكويت ولا يحملون الجنسية الكويتية او اي جنسية اخرى، فهم بدون جنسية ، عرضة للطرد ، مسؤولين غير مصانين - " ، ولقد كشفت هذه التوجهات الشعوبية عن وجهها الحقيقي عند تصاعد حدة القتال بين قوات الاحتلال والشيعة في النجف ومدينة الصدر وغيرها من المدن الشيعية. اتضح بما لايقبل الشك ان دين هؤلاء الشعوبيين ليس الاسلام ولا التشيع بل " دينهم ان يقتل العرب " (10) ، وهم يتشوقون لاندلاع الفتنة طائفية ، القاتل والمقتول فيها من العرب .
كل هذه الجماعات معنية بتشويه صورة المقاومة ، لكل منهم اسبابه . لكن لحظة تأمل منطقي واحدة ، كفيلة بأن يصل الانسان الى نتيجة براءة المقاومة من مثل هذه الافعال . فالمقاوم صاحب او حامل تلك المثل والقيم النبيلة التي تدفعه الى التضحية بنفسه وماله من اجل المصلحة الوطنية والامن الوطني العراقي ، وحماية ابناء شعبه ووطنه من القتل والدمار المسلط عليه من قبل قوات الاحتلال ، لا تسمح له قيمه هذا ان يفعل مثل هذه الافعال الاجرامية . ثم ان المقاومة في اي بلد وعلى مدار التاريخ تنطلق عادة بفعل وتخطيط نخبة صغيرة تامل ان تتوسع مع الزمن ، وان ينتشر الوعي بين ابناء شعبها بمخاطر الاحتلال ، فهي تطمح دائما بان يفهم من تدافع عن حقوقهم ، وحريتهم واستقلال ارادتهم ، ما يعنيه الفعل المقاوم من حل فريد أوحد لنيل الحقوق الوطنية . ثم ان المقاومة ليست خاصة بطائفة دون اخرى ، أن حصة السماوة وحدها كان 5 شهداء سقطوا وهم يدافعون عن الفلوجة ، والناصرية سبعة ، كما وصلت بعض جثث الشهداء من ابناء المدن الشيعية الاخرى ممن قاتلوا بايمان وبطولة عن مدينة العزة والكرامة .
ولا احد يستطيع ان يغفل مساهمة الصدرين التي كشفت اكذوبة ما يطلق من مصطلحات طائفية على مدن الثورة . لتبرهن ان الانقسامات ليس بين الشيعة والسنة ، بل بين الشعب العراقي بمختلف مكوناته ، وقوات الاحتلال وعملائها المحليين ممن ينتسبون لطوائف مختلفة . حتى المقاومة السلمية تضم اطراف مختلفة من الشيعة والسنة والاكراد والتركمان ، كما يتضح بجلاء من خلال البيان الذي وقعت عليه 47 حزبا وتنظيم تعلن مقاطعتها للانتخابات ، كان يضم اطرافا شيعية واخرى سنية(11) . كما ان قائمة المتهافتين على ارضاء السفير الاميركي تضم 56 جماعة من مختلف الاطياف المذهبية والدينية .وليس هناك من انقسامات طائفية تمنع هذا الطرف او ذاك ان يصطف مع الاحتلال او ضده . ولا ترفع الشعارات الطائفية الا تنفيذاً لأوامر الاسياد او لتحقيق أغراض تجارية . وعندما يعزز الدم الشيعي ارباحهم وامتيازاتهم ، لامانع لديهم ان يقتلوا الشيعي على الهوية ، ويبكون عليه كما ساهموا في قتله في النجف ومدينة الصدر ، مقتفين بذلك سيرة معاوية لا علي ،يوم قتل الصحابي عمار بن ياسر في صفين ، قال جماعة معاوية أن علي وجنوده هم الفئة الباغية ، لأنهم هم الذين احضروا عمار بن ياسر معهم للمعركة ، فكانوا سببا في قتله .(12)
أنهم ليسوا من شيعة علي بن ابي طالب ، وان صرخوا وتنافخوا وتظاهروا بالتعصب للمذهب الا انهم في سيرتهم وسلوكهم من اتباع التشيع الصفوي كما وصفهم الدكتور علي شريعي ( 14 ) ، بل هم اقرب للخط الاموي الذي يغلب الركض وراء الملذات الدنيوية على طلب رضى الخالق . تبت اياديهم الملطخة بدماء شعبنا شيعة وسنة ، لم يتركوا للنظام السابق من ذنب نتهمه به الا اقترفوه ، فضاعت من اعمارنا 35 سنة استهلكناها في معارضته .
الدكتور موسى الحسيني
mzalhussaini@btinternet.com
المصادر :
1: حول عقائد الشيعة ومحاور الخلافات الفقهية مع السنة ومفهوم الامامة عند الشيعة وتاريخ ظهورهم كطائفة اسلامية يمكن العودة الى :
كاشف الغطاء ، الشيخ محمد حسين ، أصل الشيعة وأصولها ، القاهرة : المطبعة العربية ، 1958 ، الطبعة العاشرة .
فياض ، د . عبد الله ، تاريخ الامامية واسلافهم من الشيعة ،بيروت :مؤسسة الاعلمي للمطبوعات ، 1986 ، الطبعة الثالثة .
2 : الوردي ، د . على ، لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث ، لندن : دار كوفان ،1992 ، الجزء الثالث ، ص : 98 – 99 .
3 : حول قصة هجوم الاخوان الوهابيون على الناصرية ، وتصدي الشيخ مهدي الخالصي لها ومؤتمر كربلاء ومؤتمر الحلة ، يرجى العودة الى :
الوردي ، د . علي ، مصدر سابق ، الجزء السادس ، ص : 132 – 152 ،
الحسني ، عبد الرزاق ،تأريخ الوزارات العراقية ، بغداد : دار الشؤون الثقافية العامة ،1988 ، الجزء الاول ، ص : 80 – 96 ..
الخطاب ، رجاء حسين حسيني ، العراق بين 1921 – 1927 ،بغداد : بلا دار نشر ، بلا تأريخ ، ص :274 -285
4: الوردي ، مصدر سابق ، الجزء الخامس ، ص : 68 .
5 : نفس المصدر ، الجزء الخامس ، ص :197 .
يعتقد كل من الدكتور علي الوردي ، والدكتور وميض عمر نظمي ، ان محمد رضا بن المرجع محمد تقي الشيرازي ، كان من اوائل رواد الحركة القومية العربية في العراق ، رغم اصوله الايرانية . لاحظ ،
نفس المصدر ، ص : 200 – 202 .
نظمي ، الدكتور وميض جمال عمر ، الجذور السياسية والفكرية والاجتماعية للحركة القومية العربية الاستقلالية في العراق ، بيروت : مركز دراسات الوحدة العربية ، 1984 ، ص : 351 – 352 .
6 : الوردي ، د . علي ، دراسة في طبيعة المجتمع العراقي ، قم : انتشارات المكتبة الحيدرية ، 1996 ، ص :235 – 236 . لاحظ كذلك :
7 : الوردي ، د . علي ، لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث ، مصدر سابق ، الجزء الخامس ، ص : 216 – 221 .
8 : الشيطان الاكبر هو تسمية اطلقها السيد الخميني على القوى الامبريالية ، وبالذات اميركا ، وتبنتها جميع الحركات و الاحزاب السياسية الدينية العراقية في ادبياتها ، وشعاراتها
9 : يحتفظ الكاتب بصورة مطبوعة على الالة الكاتبة لترجمة نص المشروع . قامت منظمة التحرير الفلسطينية بترجمتها وتوزيعها في حينه . كما قامت جريدة السفير اللبنانية بنشر المشروع في اوائل عام 1991 على ما اتذكر ، اتمنى ان تقوم الجريدة بنشر المشروع ثانية لما له من اهمية في كشف نوايا الحركة الصهيونية العالمية في تمزيق الوطن العربي الى دويلات طائفية صغيرة ، ضعيفة ومتناحرة فيما بينها .
10 : تم استعارة الاصطلاح من القصيد المشهورة للشاعر العربي نصر بن سيار التي كتبها للخليفة الاموي يحذره فيها من ظهور تحرك شعوبي معادي للعرب في اصفهان .
يحاول الشعوبيون أن يلصقوا الشعوبية بالمذهب الشيعي ، بهدف منع الاخرين من الحديث عنهم او التطرق لذكرهم ، بنسبة الحديث عنهم للتعصب الطائفي ،وتصوير اي حديث في هذا الشان على انه غمزوتشكيك بعروبة التشيع ، مع ان الشعوبية حركة سياسية وثقافية هدفها تمجيد ورفع القيمة الحضارية للشعوب الاسلامية الغير عربية والتبخيس من قيمة العرب الحضارية ، وليس حركة دينية او طائفية ، كما انه لم يكن من بين الشعوبين من هو من المذهب الشيعي . للاطلاع اكثر على اصل الحركة وتداخلاتها المذهبية يمكن العودة الى :
الوائلي ، الشيخ احمد ، هوية التشيع ،بيروت : مؤسسة اهل البيت ، 1981 ،ص : 207- 211 .
الحسيني ، د . موسى ، ساطع الحصري والخطاب الطائفي الجديد ، بيروت : دار الكوثر ، 2000، ص : 131 -164 .
11 : نشر البيان على الكثير من مواقع الانترنت ،وجريدة الوفاق الوطني في بغداد ، ويضم ثلاث مراجع شيعية اضافة الى هيئة جماعة العلماء السنية ، واحزاب ومنظمات وطنية تضم اعضاء وانصارا من كلا الطائفتين .
12 :حسين ، طه ، الفتنة الكبرى- علي وبنوه - ، القاهرة : دار المعارف ،بلا تاريخ ، الطبعة الثالثة عشرة ، ص : 77 .
13 : شريعتي ، علي ، التشيع العلوي والتشيع الصفوي ،بيروت : بلا دار نشر ، بلا تاريخ .
Saturday, 30 October 2010
لشيعة والحكم في الدولة العراقية الحديثة
نشر في مجلة المراقب العربي ، العدد الاول ، واعيد نشره في جريدة العرب
الشيعة والحكم في الدولة العراقية الحديثة
نقصد بالدولة العراقية الحديثة ، العراق بوضعه الجغرافي الحالي ، ومنذ تشكيل الدولة العراقية في بداية العشرينات من القرن الماضي ، وخروجه من النفوذ التركي – العثماني .
راجت أو روجت بعض الاحزاب المتاسلمة – الشيعية لفكرة مظلومية الشيعة ، والمتتبع لظهور هذه الفكرة سيجد انها تعود بحلتها الجديدة الى مرحلة ما بعد حرب الكويت ، حيث بدأ المجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق يغير من شعاراته ، وتوجهاته متماشياً مع أطروحات النظام الدولي الجديد ثم العولمة . فبعد ان كان يطرح فكرة الحكومة الاسلامية على الطريقة التي نادى بها السيد الخميني ، بدأ بعد حرب الكويت بالتنازل عن فكرة الحكومة الاسلامية ، وكان لابد له ان يبحث عن مبررات جديدة تضمن لمؤسسه والمنتفعين به الحفاظ على نفس الامتيازات ، ونفس الطموحات . ويبدو انهم وجدوا ضالتهم بتبني فكرة مظلومية الشيعة .
وما يفهم من هذه المظلومية ،هو أن الشيعة تعرضوا الى ظلم واضح يتجلى من خلال ابعادهم عن الحكم . ولايخفى ما بين الشعارين – الحكومة الاسلامية مقابل مظلومية الشيعة - من فوارق كبيرة ، فبعد أن كانت فكرة الحكومة الاسلامية تعني تطبيق الشريعة الاسلامية وفقاً لمذهب آل البيت ، تمشياً مع فكرة الحكومة الاسلامية التي طرحها الخميني ، والتي تخول المرجع الديني الشيعي في أن يحكم الامة ، ويطبق احكام الشريعة بالنيابة عن الامام الغائب .
تتضمن فكرة الحكومة الاسلامية عند المجلس ربط العراق بالتبعية الى ايران ، ومنح المشرع الايراني حق التشريع ، وسن القوانين . تلك الفكرة التي وان لم تعلنها قيادة المجلس ، وهو محكوم بقيادة عائلة ( آل الحكيم ) ، الا أن المتتبع لمفهوم ولاية الفقيه العامة (1)، يدرك ذلك جيداً لانه لم يكن في المجلس من بلغ درجة الاجتهاد او المرجعية ليكون بموقع الحاكم الشرعي ، حتى السيد المرحوم باقر الحكيم ، ورغم الترويج لفكرة انه بلغ مرحلة الاجتهاد ، الا انه ظل من مقلدي - تابعي –السيد الخميني ، ثم السيد خامئني من بعده ، وهذا يعني وحسب مفهوم التقليد الشيعي ، ان السيد محمد باقر الحكيم ملزم باتباع كل ما يشرعه المجتهد الاعلى او الفقيه الايراني ، سواءً اكان الخميني او خامئني او من ياتي بعدهما .وهو ملزم بحكم نظام المرجعية والتقليد باستشارة الفقيه – الولي بكل ما يتخذه من احكام .
تجلت هذه التبعية بوضوح عندما اراد السيد محمد باقر الحكيم فتح باب العلاقة بالاميركان ، فبرر موقفه هذا ممن كان يسميه بالشيطان الاكبر ، في انه أخذ اجازة او موافقة ولي أمر المسلمين على أقامة هكذا علاقة . واعتبر ذلك بحكم القرار النهائي ، او التبرير القاطع بصحة موقفه .
أن تنازل السيد الحكيم عن مشروع الدولة الاسلامية وولاية الفقيه ، يعني أنه الغى بذلك مبررات وجود المجلس الذي تشكل على اساس الرغبة والعمل من اجل تطبيق الشريعة الاسلامية في العراق . رغم أنه أصبح بذلك اكثر قبولا من قبل القوى العالمية والاقليمية . فكان شعار مظلومية الشيعة هو الترياق المنقذ . وتحول المجلس بذلك من حزب او حركة اسلامية ترفض ظاهريا ، على الاقل ، الانحياز الطائفي ، الى تجمع طائفي بدون أية أهداف دينية أو أسلامية ، فالتخلي عن مفهوم الدولة الاسلامية ، يعني ايضاً القبول بالمشاركة في الحكم بغض النظر عن قربه او ابتعاده عن الشريعة الاسلامية ، شرط التخلص من ما سمي بمظلومية الشيعة ، أي الحصول على اكبر عدد ممكن من المقاعد الوزارية للشيعة
هناك فارق اخر بين الشعارين ، اذا كان شعار الحكومة الاسلامية يكرس التبعية لايران من خلال الاقرار بولاية الفقيه العامة ، فالمظلومية تتضمن فكرة تقسيم العراق وتفتيته ، الامر الذي يحقق لايران الكثير من طموحاتها وتطلعاتها السياسية في رؤية عراق مقسم ودول مجاورة ضعيفة ، وستكون حصة ايران هي الاكبر من النتائج المترتبة على فكرة التقسيم هذه . الجنوب الغني من العراق . فدولة شيعية كهذه تظل اضعف من ان تحمي نفسها من دول الجوار الاخرى ، واقل قدرة من ان تتمكن من تحقيق اي شكل من اشكال النمو والتنمية ، اي ستسقط وحدها بدون جهد في السلة الايرانية .
نحن هنا نستقرأ الوقائع على الارض بغض النظر عما يقدمه المجلس من تبريرات لاعضائه من كون هذه الاطروحات هي مجرد تكتيكات تتطلبها المرحلة ، وخطوة اولى بأتجاه السيطرة الكلية على الحكم ، وتطبيق الشريعة الاسلامية فيما بعد .
ظل التنظيم الاسلامي – الشيعي الاخر ، حزب الدعوة اكثر حذراً في طرح مفهوم " مظلومية الشيعة " الا أنه خفف شيئاً فشيئاً من أعلان عدائه للشيطان الاكبر – اميركا والغرب - ، رغم أنه وبعد خروج الشيخ مهدي الآصفي من الحزب ، لجأ لتبني مرجعية السيد محمد حسين فضل الله ، المعروفة بأنها واحداة من المرجعيات العربية الشيعة الاكثر عداءً لاميركا . الا أن هناك من يؤشر على علاقة سرية قديمة نشأت بين أحد اطراف الحزب وبعض المؤسسات الاستخباراتية الاميركية منذ منتصف الثمانينات عندما اكتشفت الاف .بي . آي . وجود شخص متخصص بتزوير الجوازات على اراضيها تبين فيما بعد بأنه يمارس هذا التزوير لصالح حزب الدعوة ، ولم يخلى سبيله الا بعد فترة أشهر على أرضية أتفاق ما تحقق بين الطرفين ، وهناك من يعتقد أن الحزب أفتعل بعض الخلافات مع أحد قياداته ، وتظاهر بطرده ليعطي نفسه حرية الاستمرار في هذه العلاقة دون أن يلزم نفسه به ظاهرياً به(2 ). كما يؤشر البعض في كتابه " على علاقة قديمة بين السيد محمد باقر الحكيم وبعض المؤسسات الرسمية الاميركية منذ عام 1960 . (3 )
الا أن حزب الدعوة ظل والى حد قريب من غزو العراق في آذار 2003 ، متمسكاً ، ظاهرياً على الاقل بفكرة أقامة الحكومة الاسلامية او النظام الاسلامي ، ولم يتبنى شعار المظلومية الا في مرحلة متاخرة ، مع بداية أنعقاد مؤتمر المعارضة العراقية في لندن في أواخر عام 2002 ، وأتضاح النوايا الاميركية لغزو العراق . بدأ الحزب عندها يروج بين أعضائه وكوادرة فكرة أن عدم اللحاق " بالقطار الاميركي " ، قد يؤدي الى تكرار المشكلة نفسها ، أي أتفاق السنة مع الاميركان هذه المرة للسيطرة على الحكم . ويبدو أن الغاية من الترويج لهذه الفكرة هي تهيئة الحزب للقبول بالأتفاق مع من كانوا يعرفونه ب " الشيطان الاكبر " من اجل الخلاص من " الشيطان الاصغر " ، كما كانوا يسمون صدام حسين .(4)
مظلومية الشيعة :
تكلمنا عن مظلومية الشيعة ، الا أن الحديث ظل غامضاً حول هذه المظلومية . يفسر بعض الموالين للاحزاب الدينية هذه المظلومية ، على أن مصدرها كان اتفاق تم بين المندوب السامي البريطاني في العراق في بداية العشرينات ، السير بيرسي كوكس ، وعبد الرحمن النقيب ، احد علماء السنة ، على اساس تسليم الحكم في العراق للسنة شرط ابعاد الشيعة ، وحرمانهم من حقوقهم . والمشاركة بالحكم بما يتناسب مع حجمهم السكاني . أنتقاماً منهم بسبب دورهم الفعال في ثورة العشرين ضد الاحتلال البريطاني ، ومساهمتهم قبل ذلك في حركة الجهاد التي واجهت القوات البريطانية في البصرة عام 1914 .
وقصة هذا الاتفاق قامت على أساس فرضية أو تصور طرحه عالم الاجتماع العراقي المعروف الدكتور علي الوردي ، ليفسر فيه كيف ولماذا وافق عبد الرحمن النقيب على قبول تولي رئاسة او وزارة عراقية مع انه معروف بالزهد ، وسبق له ان رفض الفكرة ، ويعتقد الوردي ، ربما ان كوكس حاول ان يلعب على أوتار الطائفية ، وتخويف عبد الرحمن النقيب من أن يسلم الحكم للضباط الشريفيين أو للشيعة . فوافق وهو المعروف عنه نزعته البرجوازية والطائفية . (3)
الملاحظ أن الترويج لهذه الفكرة بدأ يظهر تماماً بعد ظهور المشروع الذي قدمه اثنان من الجنرالات الاسرائيلين ، شارون وايتان ، الذي طرحاه كحل لضمان أمن اسرائيل ، بتقسيم الدول العربية الكبيرة المجاورة لاسرائيل الى دول صغيرة على اساس طائفي وديني ، حصة العراق منها ثلاث دول : سنية ، وشيعية وكردية . لذلك نجد جذور الحديث عن مظلومية الشيعة في كتابات بعض الاكاديميين الاميركان من أصل عراقي ، خاصةً اليهود منهم . مثل اسحق نقاش ، حنا بطاطو وغيرهم (5) . كما اسهم بعض الكتاب الشيعة من اصول غير عربية في الترويج لها . واغرب ما في الامر ان اول من كتب عن هذه الفكرة ، شيعيا من اصول هندية كان قد انقلب حديثا على التسنن بعد ان تحول اليه ارضاء او طمعا في الحصول على مناصب كبيرة في ظل نظام صدام – البكر . وكان هذا الكاتب الاكثر عداءً للشيعية والوحيد الذي تجرأ على شتم الشيعة واتهام اهل النجف بانهم اولاد زانية بعد احداث شباط 1977 ، وكتب كتابا ينسب فيه التشيع للمجوسية ، وينسب ثورة الامام الحسين ، وفقه الامام جعفر الصادق الى تأثيرات الشخصية الوهمية اليهودية ، عبد الله بن سبأ وغلاة الاعاجم الذين كانوا هم النواة التي اصطنعت فكرة الامامة (6). هؤلاء كانوا الاباء الاوائل لشعار مظلومية الشيعة ، الذي وجد صداه عند رئيس المجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق . يهود صهاينة أو شيعة من اصول غير عربية لم يترددوا في أن ينقلبوا على الشيعة امام أي امتياز يحصلون او يتطلعون للحصول عليه . الا انه وبعد حرب الكويت انبرى الكثيرون ممن يبحثون عن مكاسب شخصية او بدفع من بعض الحكومات العربية او الاجنبية للرويج للفكرة، بل اعطاءها طابعا شعوبيا ، الحقد على العرب ظاهرا فيه من خلال محاولاتهم اقتلاع العرب الشيعة من جذورهم وانتماءاتهم العربية ، والايحاء وكان المذهب الشيعي يتناقض مع العروبة . اي لعبت الاموال الكويتية دورها في دفع البعض من المشكوك في عروبتهم وعراقيتهم بل وحتى اصولهم ، يتنططون بين الحسينيات الموجودة في لندن كالقردة متباكين على مظلومية الشيعة . (7 )
لكن الفكرة – مظلومية الشيعة - وبقليل من التدقيق لاتصمد امام النقاش الموضوعي المفرغ من الشحنات العاطفية او تلك المغرضة .فكوكس كان قد زار المرجع الشيعي الاعلى السيد كاظم اليزدي قبل أن يزور النقيب ، الا أن اليزدي رفض الفكرة (8 ) . أي أن كوكس لم يكن محكوم فعلاً بكره الشيعة أو العداء لهم . وكل الدلائل الاخرى تؤكد أن الشيعة أبتعدوا باختيارهم ولم يبعدوا بمؤامرة . وأذا كان هناك ثمة مؤامرة ، فمصدرها رجال الدين والعلماء الشيعة انفسهم ، وليس هناك من طرف أخر غيرهم .
مراجع الشيعة كمصدر لمظلومية الشيعة :
يعتمد رجال الدين الشيعة وعلماؤهم ومراجعهم في عيشهم على الهبات ، واموال الحقوق والخمس والزكاة التي يقدمها الميسورين من الشيعة . ونعتقد أن هذا الأعتماد سيشكل هاجس خوف دائم عندهم من احتمال خسرانه لسبب أو أخر ، لذلك يمكن ان نلمس في سلوكهم نزوع دائم لعزل شيعة العراق عن الدولة العراقية وبكل الطرق الممكنة . منها على سبيل المثال موقف السيد اليزدي ، مار الذكر اعلاه ، ثم مواقف من تلاه من المراجع . اللذين رفضوا دعوة الملك فيصل في المساهمة في تشكيل الوزارة في المراحل الاولى من توليه السلطة .
كان السيد عبد الرحمن النقيب ما زال رئيساً للوزراء عندما تم تتويج فيصل بن الحسين ملكاً على العراق . وكان الملك يميل لتشكيل وزارة وطنية تخضع لقيادته اكثر من خضوعها للانكليز ، كما هو حال عبد الرحمن النقيب . فطلب من الشيخ عبد الواحد سكر الذهاب للنجف لحث المراجع والعلماء الشيعة على تولي تشكيل الوزارة الجديدة للتخلص من نفوذ النقيب ، الخاضع بدوره لنفوذ الانكليز . الا ان العلماء واجهوا دعوة الملك وعبد الواحد سكر بالاستهجان والرفض ، الى الحد الذي أحرج الحاج سكر ، لم يعد الحاج الى الملك بل بعث له رسالة مجاملة يبلغه فيها رفض او اعتذار العلماء عن المشاركة في الحكم . (9 )
لم يتوقف جهد المراجع عند حد رفض المشاركة او المساهمة في تشكيل الوزارة ، بل تعدت جهودهم ذلك الى حد انهم حرموا التو ظف والعمل في دوائر الدولة ، كما حرموا التعامل مع بعض مؤسساتها مثل البنوك والمصارف العامة والمحاكم الشرعية ، باعتبار انها دولة غير اسلامية ، وأن أمولها التي تقدمها كرواتب هي اموال محرمة لانها مجباة بالاصل من ضرائب غير شرعية خاصة تلك التي تستوفى كضرائب من أماكن اللهو ، والمكوس على الخمر .كما حرموا الدخول في مدارس الدولة ، وهي المفتاح للعمل في مؤسساتها المختلفة ، بأعتبار انها تعلم العلوم الغير شرعية التي يمكن ان تؤثر على ايمان الطفل وتبعده عن دينه (10 ) . وظلت بعض هذه التحريمات قائمة وسارية المفعول الى نهايات الخمسينات واواسط الستينات من القرن المنصرم، بعد ان خرج الامر عن طوع المراجع وتوجه الشباب من الشيعة نحو الوظائف الحكومية غير ابهين بتلك الفتاوى ، فتم تجاوز تحريم الراتب بحيلة شرعية باعتبار ان هذه الاموال مجهولة المالك ، بما يعني جواز أستلام الراتب الشهري . ويبدو ان بعض المراجع لايريد أن يمرر هذه الفرصة بدون الاستفاده منها بالمطالبة بتطهير هذه الاموال او الرواتب المستلمة من الحكومة ، من خلال تقديم الحقوق الشرعية منها للمراجع .
نعنقد أن اعتماد رجال الدين والمراجع على الهبات العامة من أنصارهم ومؤيديهم لم يكن هو العامل الوحيد الذي يقف وراء محاولة عزل الشيعة عن دولتهم ، بل هوية المراجع الشيعية التي كانت في الغالب تنحدر من اصول ايرانية (11 )، وهي اما أنها تعكس سياسة عامة متفق عليها لاستلاب شيعة العراق من هويتهم العربية ، أو أنها تعود الى عامل سيكولوجي خاص يعود لحالة الشعور بالغربة من قبل المرجع في بيئة بعيدة عن بيئته ، فيمضي لاشعورياً وراء عملية العزل هذه في أندفاعة لا شعورية للامتزاج بما حوله تخلصاً من مشاعر الغربة هذه . ويحقق لهم السيطرة على ابناء الطائفة ، والاستقواء بهم على الحكومة .
تداخل عوامل أخرى سببت في عزل الشيعة عن الدولة
لاشك أن هناك عوامل أخرى مكنت المراجع الشيعية من النجاح في تحقيق هذا العزل لبضعة عقود ، اهمها الرواسب الادارية والنفسية التي خلفتها مواقف الدولة العثمانية من الشيعة ، حيث كانت تحرم توظيف الشيعة . اندمج هذا العامل ، مع الصورة المشوهة عن الدولة التي خلفتها السياسة العثمانية في ذهن المواطن العراقي الشيعي . الذي لم يجد في سلوك العثمانيين الاتراك ما يؤشر الى وجود دولة فعلية على الارض ، فالدولة تقدم الادارات او الوظائف لبعض المشايخ المحليين أو الجباة الغرباء ، بالاجرة، دون العناء في متابعة سلوكياتهم وتتخلى عن سلطتها لهؤلاء المشايخ مقابل شرطين أولهما تقديم مبلغ من المال يقدمه الحاكم المحلي ، يجبى هذا المبلغ عادة من المواطنين بشكل مجحف غير خاضع لضوابط قانونية ،وثانيهما تقديم بعض الشباب كجنود عند الحاجة . والتجنيد في ذلك الوقت يعني في كثير من الاحيان فقدان الابن المجند ، لسعة مساحة الدولة العثمانية وقلة وتخلف وسائل الاتصالات والمواصلات .التي تتسبب في انقطاع أخبار المجند ، الذي لايعود لاهله وعائلته عادة ، لذلك التصق مفهوم الدولة في عقل الشيعي العراقي بالظلم والاجحاف ، وصورة العصابة التي تنهب الاموال وتخطف الشباب . ولم يكن من السهل اجتثاث هذه الصورة بسرعة من عقلية المواطن العراقي من ابناء الجنوب . (12)
هناك عامل أخر لايمكن تجاوزه الحديث عند عن مظلومية الشيعة ومصادر نشؤئها، وهو أن سماحة عرب العراق ، وطيب خاطرهم في أستضافة الغريب ، شجعت الكثير من الايرانيين والهنود والافغان والاتراك وغيرهم للاقامة والاستيطان في العراق . وفي أخلص الكثيرين منهم بولائه للدولة الجديدة ، بل ومنهم من تبنى القاباً عربية رغبةً منهم للاندماج في البيئة الجديدة ، الا أن أبناء البعض الاخر ظل يعبر عن حقد غريب وسيكولوجية عصية على الفهم مشحونة بالعداء للعرب ، مستفيدين من أخطاء بعض الحركات السياسية التي تتبنى الفكر القومي العربي ، لينفثوا سمومهم من خلالها . تبنى الشيعة منهم شعار المظلومية ليحمله مأسي مختلقة لااساس لها من الصحة . ويتكلم بعضهم باسم الاسلام ليغطي توجهاته غير الصحية ، وبحجة أن الاسلام رسالة عالمية ترفض الاقرار بالقوميات .
لايمكن المرور بهذا الموضوع دون الاشارة لمبادرات الميرزا محمد رضا أبن المرجع الشيعي الاعلى محمد تقي الشيرازي في تبني ونشر فكرة تحرير العراق وتوحيده مع غيره من الاقطار العربية ، بل اعتبر هذا التوحيد ضرورة أمنية للدفاع عن العراق . ويسجل له أنه أول من طرح فكرة القومية العربية بمفهومها الحديث في العراق ، مع أنه كان يحمل الجنسية الايرانية . أزعجت هذه النشاطات بعض مشايخ الشيعة المتعاونيين مع سلطة الاحتلال البريطاني ،( وسلطة الاحتلال ايضاً )، فقدموا فيه الشكاوى الكثيرة للمندوب السامي البريطاني ليبعده عن العراق بحجة انه يثير الشغب .(13 )
شواهد على المظلومية :
في محاولة لاستثمار شعار مظلومية الشيعة أو عملية عزل الشيعة المقصود عن الدولة ، واسقاط اللوم على الدولة يستشهد البعض بقصة توظيف الشاعر محمد مهدي الجواهري في شبابه بوظيفة معلم مدرسة ابتدائية . والجواهري في حينها لم يكن الا شابا موهوباً محدود الشهرة ، ولم يكن خريج مدرسة رسمية بل تعلم القراءة والكتابة وتثقف من خلال الكتاتيب والمنتديات الثقافية المنتشرة في النجف . رفض الاستاذ ساطع الحصري توظيفه ، لان الجواهري كان يرفض والى ذلك الحين التقدم بطلب لحيازة الجنسية العراقية حاله كحالة ابناء بعض العوائل العربية الشيعية التي توجهت في زمن العثمانيين للحصول على الجنسية الايرانية ، تهربا من قسوة الحكم العثماني وتهرباً من سياسة التجنيد القسري التي يفرضها العثمانيين على المواطنيين . أضافة لما توفره هذه الجنسية من التهرب من دفع الضرائب والخاوات التي كانت تفرضها الحكومة العثمانية . ولعل من الصعب على الاستاذ ساطع فهم مثل هذه الامور ، خاصة ,انه كان قد مر على تشكيل الدولة العراقية حوالي العشر سنوات ولم يعد هناك مبرر لمثل هذه المخاوف عند محمد مهدي الجواهري او غيره ممن لم يتقدموا بتصحيح تبعيتهم او هويتهم المدنية . .
أستغل الوزير الشيعي ، الذي هو بحكم الخارج او المتمرد على فتاوى العلماء بتحريم الوظائف ، هذه الحادثة ، ليفسرها تفسيراً طائفياً ، باعتبار أن الحصري سني والجواهري شيعي . وعند التدقيق في تفاصيل القصة يصل الانسان الى النتيجة التالية : وهي أن الخلاف بين الوزير عبد المهدي المنتفكي ، ومديرالمعارف العام في الوزارة ، يعود بالاصل للتنافس بين المدير والوزير على الصلاحيات المخولة لكل واحد منهم ، والى الاختلاف والنهج الذي يتحكم بكل منهم في نظرتهم للادارة وتعبئة الموظفين ، فالوزير المتخلف في حينها ، والذي لم يدخل أي مدرسة رسمية ، يرى في الوزارة مجرد وجاهة يؤكد مصداقيتها قدرته على التوظيف الكيفي للافراد ، استجابة لطلب وجيه أخر منه ، او رغبة للتقرب لبيئة معينة أو حتى للتظاهر بالقوة والقدرة على فعل كل شئ . في حين أن ساطع الحصري كان قد درس في المعاهد والكليات الرسمية ، وتولى منصب المدير العام للمعارف ( التربية ) في الدولة العثمانية ، ثم وزيراً للمعارف في الدولة العربية التي أسسها الملك فيصل في سوريا عام 1918 . وهو يعتبر الوظيفة مجرد وسيلة لتطبيق برنامج تربوي يهدف من خلاله أعداد الكادرات الوظيفية للدولة من خلال المؤسسات التربوية ، وخلق الاجيال الجديدة القادرة على المساهمة في أدارة الدولة . فكان الصدام نتيجة حتمية لمثل هذه الفروق في العقلية والشخصية والاحساس بالمسؤولية . ونصل الى نتيجة أن ساطع الحصري ، وليس الجواهري أو عبد المهدي المنتفكي ، خضع لعملية ابتزاز طائفي ، لم تكن الطائفية في مثل هذه العمليات الا وسائل رخيصة استخدمها الوزير لتصفية حسابات أدارية مع واحد من أهم المسؤولين والخبراء المهنيين في الوزارة ، ممن يفترض أن يكونوا مثاراً للفخر عند لوزير والوزارة التي لايدرك – هذا الوزير - من آلياتها المنهجية شئ .
أن هذا الوزير الذي تظاهر بالانحياز الطائفي في موضوع الجواهري ، نراه يفقد غيرته وحميته الطائفية هذه عندما يحاول ياسين الهاشمي التفاهم مع عشيرة بني ركاب في الناصرية حينما لجأت للعصيان والتمرد ، فأرسله الهاشمي للتعرف على مطالب العشيرة وتهدئتها ، الا ان عبد المهدي المنتفكي يعود لبغداد ليطالب بضرب بني ركاب بالطائرات والمدفعية ، وينسى أنهم شيعة ، ويرفض وزير الداخلية رشيد عالي الكيلاني ذلك ، ويستخدم محافظ المدينة السني لحل المشكلة . وعند المقارنة بين الموقفين ، يتعصب عبد المهدي المنتفكي للطائفة ويقلب الدنيا من اجل توظيف معلم في المدارس الابتدائية ، ويستبيح دماء الشيعة لأنه فشل في التفاهم معهم ، بما يعني كسر هيبته ، وفشل وساطته . أي أنه ليس الا انتهازيا مصلحي يوظف الطائفية ويرفضها حسب ما تقتضي مصالحه ، وليس حمية او موقفاً مذهبيا . ( 14 )
عاد الحديث عن هذه المظلومية لفترة قصيرة في أواخر عام 1963 وحتى وفاة الرئيس عبد السلام عارف ، الذي ازداد في وقته عدد خريجي الدراسة الثانوية والجامعية باعداد كبيرة اكثر ما تتحمله طاقة الدولة للتوظيف ، وكان هناك توجه عام للعمل في دوائر الدولة لمثل هكذا خريجيين الذين يفضلون العمل الاداري الوظيفي في الدولة باعتبارها اكثر ضماناً من اية مؤسسة أخرى . فكثر الحديث عن طائفية النظام ، وسياسته المقصودة لابعاد الشيعة عن العمل في مؤسسات الدولة ، ثم جاءت القرارات الاشتراكية التي لم يتضرر منها غير كبار التجار السنة ، في الواقع ، مثل محمد حديد وفتاح باشا ، والدامرجي ، وجقمقجي وغيرهم ، الا ان المرجعية اعتبرت ان هذا مؤشر اخر على طائفية النظام لانه يؤثر على عمليات الاستيراد والتصدير الممسوكة من قبل بعض التجار الشيعة . رغم أن الاشتراكية كانت سمة العصر ، كما يقولون ، ولم ينفرد بها عبد السلام عارف ، بل تم تطبيقها في كل من السودان ومصر وسوريا ، اضافة للعديد من دول العالم التي اضاف بعضها كلمة الاشتراكية على اسم دولته للافتخار بها . الا انها في العراق فقط أُاعتبرت موقفاً طائفياً .
وتشاء الاقدار ، أن يتبرع أحد دعاة الطائفية المتشددين ، ومن اتباع آل الحكيم لترجمة وثائق الخارجية البريطانية لتلك الفترة لاثبات طائفية عبد السلام عارف لنكتشف صدفةً ومن خلال دراسة تلك الوثائق عكس ما اراد هذا الشعوبي تماماً .وهو أن تصعيد الحديث عن مظلومية الشيعة تم باتفاق مع الشاه الذي كان خائفاً من ان ينتهي التقارب العراقي – المصري ، الى قيام دولة عربية موحدة بين القطرين وما يسببه ذلك من احتمالات لتهديد الامن القومي الايراني . فبدأ بتحريك الاكراد في شمال العراق ، والمرجعية في الجنوب للضغط على عبد السلام عارف للتراجع عن مشروعه الوحدوي . عين الشاه للاشراف على هذا المشروع سفيراً جديداً متخصص بعلم النفس الاجتماعي ، ويجيد خلق الاشاعات وبثها بين العراقيين هو الدكتور البير أسته .
ورغم محاولات المترجم لكتابة مقدمات طويلة للايحاء بعكس ما يكشفه مضمون هذه الوثائق ، وعصر النصوص أملا في اضفاء الطائفية على حكم عبد السلام عارف ، الا ان الوثائق تكشف حقيقة الاتفاق بين المرجعية والشاه . وتحبط النوايا الشعوبية لهذا المترجم واسقراءاته المشوهة لهذه الوثائق . (15 )
أن عبد السلام الطائفي هذا لم يترك باباً الا وطرقه من أجل التقرب من المرجعية والتفاهم معها ، لكنها كانت ترفض تحت ذريعة استنكارها للقرارات الاشتراكية . وفي زمن عارف ، ولاول مرة في تاريخ الوزارات العراقية يتم توزير تسعة وزراء شيعة من أصل 22 وزيراً في الوزارة التي شكلها طاهر يحيى في أواخر عام 1963 . ويشكل هذا الرقم نسبة 40% من الوزراء ، وعند الاخذ بنظر الاعتبار عدد الوزراء الاكراد ، يعني أن الشيعة ولاول مرة يتقاسمون الوزارة مناصفة مع السنة ، الامر الذي لم يحصل حتى في زمن عبد الكريم قاسم الذي يبرئه البعض من الطائفية لان سياسته اتجهت لضرب القيم الاسلامية ككل ، حيث بلغت نسب توزير الشيعة في عهده 31 % ، 21% . ( 16 )
هكذا نجد أن عبد السلام هو الاخر خضع لعملية ابتزاز طائفي ، ولم يكن طائفياً في سلوكه الاداري ، ومن الصعب الحكم على نواياه ، لمجرد أنه كان متديناً سنياً بعكس الملحد العلماني عبد الكريم قاسم .
المظلومية والطائفية :
بغض النظر عن صحة أو لاصحة الحديث عن المظلومية ، فأن أحدًا ما لايستطيع أن يؤكد بأن عبد الرحمن النقيب كان يمثل الطائفة السنية بكل مكوناتها ، بالعكس أن الوثائق تثبت أنه كان يحقد ويكره الضباط الذين عرفوا بمصطلح الشريفيين ، نسبة لولائهم للشريف حسين وابنه الملك فيصل . لأعتقاده انهم لاينتمون لعائلات اجتماعية مرموقة ، وجاء بعضهم من الطبقات الاجتماعية الدنيا (17 ) . وجميع هؤلاء الضباط كانوا من السنة ، وهم الذين تولوا ادارة الدولة العراقية منذ تاسيسها حتى سقوط النظام الملكي في العراق عام 1958 . أي أن حقد النقيب كان موزعاً بالتساوي على الشيعة والسنة ، بفعل تركيبة سيكولوجية معقدة لادخل لها بالطائفية .
كما ان احداً لايستطيع أن يتنكر لوجود حس طائفي عند بعض الناس هنا وهناك ، لكن هذا الحس لم يتحول الى هوية مميِزة تفصل بين الطائفتين في العراق ، بل استمر التعايش بشكل دائم ، ولم يتصاعد الى حد الصراع . بالعكس تميز بالتعاون والتآلف ، بل الوحدة في الموقف امام أي تهديد يمكن أن تتعرض له أي من الطائفتين ، تجلت هذه الوحدة بأجمل صورها عندما هب غالبية السنة وراء زعامة الشيخ محمد مهدي الخالصي الذي انبرى لاستنكار الهجمة التي قام بها الاخوان ( جماعة وهابية متطرفة ) على بعض القبائل الشيعية على اطراف مدينة الناصرية عام 1922.وارسلت تكريت وسامراء والموصل وسنة بغداد الوفود الى كربلاء لعقد مؤتمر يطالب بمعاقبة المعتدين ووضع حد لمثل هذه الاعمال العدوانية وتسليم مهمة الدفاع عن العراق للعراقيين ، وتشكيل وتطوير الجيش العراقي ( 18 )، الذي تشكل كمطلب شيعي ، الا انه متهم بالطائفية . ومن غرائب المتناقضات حول طائفية عبد السلام عارف ، أن كل من طلاب ثانوية الناصرية من الشيعة ، ممن يرغب بدخول الكلية العسكرية ، دخلها عند توفر الشروط الصحية والبدنية لدخولها في زمن عبد الرحمن عارف ، مثل كريم عبد علي ، وعبد الحسن شكاحي ، موسى عبد الزهرة الحسيني ، رياض حميد حميدي ، ويعقوب عبد الكريم البعقوبي ، وغيرهم كثيرون .ولايخفى ما لهذه الاسماء من دلالات طائفية ، يقال ان حامليها تعيق القبول في الكلية العسكرية .
. ولم تسجل ابة حال تم فيها عدم قبول الطلاب بالكلية العسكرية وعلى اساس انتماءاتهم الطائفية
.
بالعودة للحديث عن مؤتمر كربلاء ، مقابل مؤتمر كربلاء هذا الذي دعى له الخالصي ، بحضور سني ملموس ، عقد بعض مشايخ العشائر الشيعية مؤتمراً مضاد يطالبون به بترك مهمة الدفاع عن العراق بيد البريطانيين .
هناك مرحلة اخرى من الابتزاز الطائفي ، تقع بين المرحلتين – مؤتمر كربلاء عام 1922 ، وفترة حكم عبد السلام عارف - هي ان وصول السيد ياسين الهاشمي للحكم عام 1935 ، والانحياز الظاهر للقضايا العربية في سياساته ، كان حركة شعبية شيعية ، تولاها الشيخ عبد الواحد سكر ، ومحسن ابو طبيخ ، والسيد نور الياسري وغيرهم من مشايخ العشائر الشيعية اللذين عرفوا " بجماعة الصليخ " ، فهم اللذين اوصلوا بالقوة والتمرد المسلح ياسين الهاشمي للسلطة ، ومن بعده رشيد عالي الكيلاني( 19 ) . مع ذلك يؤشر البعض على هذه الحركة القومية العربية الشيعية ، على انها حركة طائفية ، لاغين دور جماعة الصليخ فيها ، وتسخيف دورها .
وهذا ما يؤكد على سيطرة الشعوبيين من الفرس والهنود والاتراك اللذين يستعملون التشيع غطاءً لهم ، لتوجيه الحركة الطائفية ، لصالح أهدافهم في تشويه تأريخ العراق ، واستخدام شعار " مظلومية الشيعة " ، لاحباً بالشيعة ، وحرصاً عليهم بل لتحقيق أغراض سرية خاصة بهم .
أن هذا التعمد في تشويه الاحداث والتاريخ لصالح مصالح شعوبية سرية يتبدى الان بشكل واضح من خلال اضفاء تهمة الطائفية على هيئة علماء المسلمين ، ورئيسها الشيخ حارث الضاري حفيد الشيخ ضاري الزوبعي ، وابن الشيخ سليمان الضاري ، اللذين اصطدما مع القائد البريطاني لجمن والى حد قتله لانه استنكر على الشيخ ضاري الزوبعي اطاعته لفتاوى المرجعية الشيعية في النجف ، والانخراط في معارك ثورة العشرين وقطع الطريق بين القوات البريطانية وقاعدتهم في الحبانية .والاردن . ( 20 )
أن حركة الشيخ ضاري الزوبعي هذه ، ومشاركة سنة سامراء وتكريت والموصل في السير خلف قيادة الخالصي في المطالبة بتسليم مهمة الدفاع عن العراق للعراقيين ، لمواجهة حملات الاخوان على المدن الشيعية ، تعني أن السنة العرب كما هم الشيعة العرب يمكن أن يندمجوا في جسد واحد تحت لواء أي مرجعية وطنية متجاوزين الحسابات الطائفية . بما يعطي الحق للشيخ ضاري لان يطرح نفسه مرجعاً للمسلمين في العراق شيعة وسنة ،خاصة وانه يبدو اكثر التزاما بقيم التشيع امام غزو اجنبي ، فهو شيعيا وعلويا في السلوك ، مقابل تخاذل الاخرين في الحفاظ على الميراث الاخلاقي والعروبي للائمة المعصومين .
ونعتقد ان التصدي لمرجعية الشيخ حارث ما هي الا جزء من المؤامرة الشعوبية التي تحقد على كل ما هو عربي شيعياً كان ، أم سنياً ، مسلماً او مسيحياً او صابئياً او من أديان أخرى .
النتائج
نتوصل من خلال هذه الحقائق التاريخية الى
1 : أن شعار مظلومية الشيعة قد يحقق الف غرض وغرض ، الا الحفاظ على حقوق الطائفة الشيعية ، اللذين لايعنون لاصحاب مشروع مظلومية الشيعة أكثر من أدوات أو حطب لتحقيق أغراض شعوبية قديمة . وستُختزل مظلومية الشيعة بمراسيم العزاء والاحتفالات الدينية التي تمثل في الحقيقة احد المصادر المالية لبناء امبراطوريات راسمالية على حساب دماء الامام الحسين .
2: أن الاحزاب المتاسلمة أو الدينية تحولت الى مجرد جماعات تستخدم الدين والطائفة لاغراض دعائية خاصة بالقادة دون أن يكون لها برنامج ديني – أسلامي . أي تجمعات دينية بلا منهج أو برنامج ديني . ينطبق هذا على الاحزاب الشيعية كما ينطبق على الحزب الاسلامي – السني .
3 : سيعتبر اشتراك بعض الوجوه من هذه التجمعات في السلطة وتحقيق طموحاتها ، وكانه نصراً لهذه الطائفة أو تلك ، حتى على حساب دماء أبناء الطائفة ، كما حصل لابناء الطائفة الشيعية في النجف والمدن الجنوبية الاخرى ، اللذين تعرضوا لابشع جريمة ، أبان ما عرف بالانتفاضة الصدرية عام 2004 . التي قتل فيها الشيعة بمباركة من الاحزاب المتشيعة . وكما حصل في الفلوجة بمباركة الحزب الاسلامي ، الذي يطرح نفسه كممثل سياسي للسنة العرب في العراق .
4 : مهما طال الزمن بنجاح هذه التجمعات في استثمار الشعارات الطائفية ، الا انها بسقوطها هذا في حدود المصالح الضيقة لبعض رموزها ، فانها تؤسس للبنة الاولى لانتصار العلمانية ، بمعنى فصل الدين عن السياسة . وسينفض عنها مؤيديها ، الذين بدأت تتكشف للكثير منهم حقيقة ما يجري من الان .
الدكتور موسى الحسيني
كاتب عراقي متخصص بعلم النفس الاجتماعي ، والعلاقات الدولية من جامعتي لندن وسالفورد .
له عدة مؤلفات مطبوعة ، منها
1 : العراق .. بين النظام والمعارضة ، سنة 1993
2 : ساطع الحصري والخطاب الطائفي الجديد ، سنة 2000
3 : العسكر والسياسة في العراق ، سنة 2002
4 : المرجعية الشيعية والسياسة في العراق ، 2004
5 :المقاومة العراقية والارهاب الاميركي المضاد ، 2004
كتب في الكثير من الصحف والمجلات العربية
المصادر
1 : لمعرفة الفرق بين الولاية العامة والولاية الخاصة عند الفقهاء الشيعة ، راجع
- محمد جواد مغنية ، الخميني والدولة الاسلامية ، بيروت : دار العلم للملايين ، 1979 .
- روح الله الخميني ، الحكومة الاسلامية ، بلا دار نشر ، بلا تاريخ .
2 : حول موضوعة الاتفاق بين حزب الدعوة والمخابرات الاميركية وقصة الجوازات المزورة ، لاحظ : علي المؤمن ، سنوات الجمر : مسيرة الحركة الاسلامية في العراق 1957 – 1986 ،لندن ، دار المسيرة ، 1993 ، ص ك 320 – 321 . والمعروف عن هذا الكتاب انه كتب باشراف حزب الدعوة ومت قبل احد اعضائه بالاسم المستعار " علي المؤمن " .
اما عضو القيادة المقصود فهو المدعو موفق الربيعي ، الذي قيل انه اختلف مع الحزب حول اموال استلمها من السعودية ، فاعتبرها هبة شخصية خاصة ورفض تسليمها للحزب ، مما دفع لفصله او استقالته من الحزب ، الا ان هناك اعتقاد ان هذا الانفصال ،والاختلاف ماهو الا غطاء ليتمكن خلاله الربيعي من الاتصال بالاميركان بدون ان تحسب تحركاته على الحزب .
3 : د . هيثم الناهي ، خيانة النص في الخريطة السياسية للمعارضة العراقية ، لندن : دار الاندلس ،2002 ، ص : 310 .
4 : لايمكن للمتتبع الا أن يشير الى ان الدكتور ابراهيم الحعفري ، ومجموعة اخرى من قيادات وكوادر حزب الدعوة ، كانوا من الموقعين على ما سمي " بيان الشيعة" ، وهو بيان بائس ، كتب بلغة ركيكة ، مفككة ، ليؤشر الى ان الشيعة تعرضوا او يتعرضون للمظلومية ، نشره موفق الربيعي في اؤاخر عام 2002، ليؤسس به دورا لنفسه بعد لعبة انفصاله من حزب الدعوة ، ولعل البيان كتب تحضيرا لتبني الحزب لشعار المظلومية ، رغم ان قيادات حزب الدعوة وقعت البيان بصفتها الشخصية ، لابصفتها الحزبية .
ولعل في تواقيع هذه القيادات ما يؤكد صحة ما ذكرناه حول الخلافات المصطنعة مع عضو القيادة موفق الربيعي .
5 : يمكن ملاحظة ذلك في الكتب التالية :
- اسحق النقاش : شيعة العراق ، ترجمة عبد الاله النعيمي ، دمشق : منشورات دار المدى ، 1996 .
- حنا بطاطو ، العراق ، ترجمة عفيف الرزاز ، بيروت : مؤسسة الابحاث العربية ، 1990 ، بثلاثة اجزاء .
6 : لاحظ كتابي حسن عليوي هندش المعروف بحسن العلوي ، الشيعة والدولة القومية ، فرنسا : مطبوعات CEDI ،1989 .طبع الكتاب على نفقة عادل عبد المهدي ، يبدو مقابل المدح الوارد لوالده في الكتاب ، او تاسيسا مخططا وممنهج لفكرة المظلومية .
الملاحظ ان الكاتب لم يتطرق من قريب او بعيد لفترة حكم صدام حسين ، واختصر على فترتي العهد الملكي والجمهوري الى ما قبل حكم البعث .
اما كتابه الذي نسب فيه التشيع الى المجوسية والمؤامرات الايرانية فهو : دماء على نهر الكرخة ، طبع في بغداد بدون دار نشر ، عام 1980 ، وباسم وهمي هو " حسن السوداني " الا ان الكاتب عاد واعترف في كتاباته المتاخرة بكتابته ، بعد ان كشفنا امره في كتابنا " ساطع الحصري والخطاب الطائفي الجديد " .
اما شتمه لاهل النجف واتهامهم بابناء الزانية ، فقد تكرر في كتاباته في مجلة الالف باء العراقية التي كان يراس تحريرها في بغداد ، وبالاعداد الاربع التي صدرت بعد احداث صفر في النجف وكربلاء ، في شباط 1977 .
7 : الملاحظ في هذه الحملة المسعورة للدفاع عما يسمى بمظلومية الشيعة هو الربط بين التوجهات القومية العربية وهذه المظلومية ، بما يكشف الحقد الشعوبي لبعض المستوطنين في العراق على كل ما هو عربي . ولايذكر احدا منهم موقف الرئيس الراحل جمال عبد الناصر الذي فرض على علماء الازهر في وقته ادخال المذهب الشيعي في المناهج الفقهية للازهر ، كمذهب خامس .
8 : د . علي الوردي ، لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث ، لندن : دار كوفان ، 1992 ، الجزء السادس ، ص : 22 – 23 .
9 : نفس المصدر ، ص : 121 – 125 .
10 : حول تحريم العمل في الدولة ، والدخول في المدارس ، لاحظ : د . علي الوردي ، دراسة في طبيعة المجتمع العراقي ، طهران : انتشارات المكتبة الحيدرية ، 1996 ، ص : 344 – 348 .
11 : هناك تخطيط منضم وموجه على مايبدو لفرض المراجع الايرانية بغض النظر عن اعلميتها او وجود من هو اعلم منها من العرب ، كما حصل بالنسبة للشيخ محمد حسين كاشف الغطاء مقابل السيد ابو الحسن الاصفهاني ، وكما حصل للسيد محمد حسين فضل مقابل السستاني ، عندما انبرت مجموعة من التابعين لايران لتشويه صورته ، ومن يقارن بين ما كتبه محمد حسين فضل الله وما كتبه السستاني يلمس الفرق بين الاثنين بالاعلمية بغض النظر عن خبرات القارئ الفقهية . نفس الموقف حصل مع الشهيد المرحوم السيد محمد صادق الصدر ، حيث انبرى كل من اولاد الحكيم واولاد الخوئي لتشويه سمعته والصاق مختلف التهم به ، وصرفت ملايين الدولارات للتأثير في عامة الشيعة في العراق لصالح ترجيح كفة السستاني وتشويه صورتي السيدان فضل الله والصدر . يشكك السيد محمد صادق الصدر باعلمية السستاني ، بل حتى ببلوغه مرحلة الاجتهاد .
للاطلاع على معلومات كافية حول الموضوع راجع
- كتابنا المرجعية الشيعية والسياسة في العراق . وكذلك :
- عباس الزيدي المياحي ، السفير الخامس ، بيروت : ممثلية المرجع الشهيد السيد محمد الصدر في بيروت ، 2001 .
- عادل رؤوف ، محمد محمد صادق الصدر ... مرجعية الميدان ، بيروت : المركز العراقي للاعلام والدراسات ، 1999 .
12: د . علي الوردي ، دراسة في طبيعة المجتمع العراقي ، مصدر سابق ، ص : 176 .
13 : للاطلاع على الادوار التي لعبها الميرزا محمد رضا الشيرازي ، وافكاره القومية ، لاحظ :
- د . علي الوردي ، لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث ، مرجع سابق ، الجزء الخامي – القسم الاول - ، ص : 197 – 214 .
- د . وميض عمر نظمي ، الجذور السياسية والفكرية والاجتماعية للحركة القومية العربية في العراق ، بيروت : مركز دراسات الوحدة العربية ،1984 ، صفحات عديدة مختلفة ، لاحظ فهرس الاعلام ص : 469 .
14 : التفاصيل الكاملة لحقيقة الخلافات حول موضوع توظيف الجواهري راجع :
- ساطع الحصري ، مذكراتي في العراق ، بيروت :دار الطليعة ،1967 ، الجزء الاول .
وللاطلاع على تفاصيل اكثر حول القصة ، وتاريخ حياة الحصري ، وارائه التربوية ، راجع :
- د . موسى الحسيني ، ساطع الحصري والخطاب الطائفي الجديد ، بيروت : دار الكوثر ، 2000 ، الفصول 4 ، 5 ، 6 .
اما حول موقف عبد المهدي المنتفكي من ثورة بني ركاب ، يمكن العودة الى
عبد الرزاق الحسني ، تاريخ الوزارات العراقية ، بغداد : بدون دار نشر ، بدون تاريخ ، الجزء الرابع ، ص : 163 .
15 : د . حامد البياتي ، شيعة العراق .. بين الطائفية والشبهات في الوثائق السرية البريطانية 1963 – 1966 ،لندن : مؤسسة الرافد ،1997 .
16 : لاحظ :
- مجيد خدوري ، العراق الجمهوري ،بيروت : الدار المتحدة للنشر ،1974 ، ص : 324 .كذلك :
- د . موسى الحسيني ، ساطع الحصري والخطاب الطائفي الجديد ، مصدر سابق ، ص : 232 .
17 : د . علي الوردي ، لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث ، مصدر سابق ، الجزء السادس ، ص : 22 – 23 .
18 : نفس المصدر ، ص : الصفحات : 132 ، و144-152 .وكذلك
عبد الرزاق الحسني ، تاريخ الوزارات العراقية ، بغداد : بلا دار نشر ، بلا تاريخ ، الجزء الاول ، ص : 80 – 96 .
19 : عبد الرزاق الحسني ، مصدر سابق ، الجزءالرابع ، ص : 50 – 79 .
20 : د : علي الوردي ، لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث ، مصدر سابق ، الجزء الخامس ،- القسم الثاني - ، ص : 67 – 68 .
الشيعة والحكم في الدولة العراقية الحديثة
نقصد بالدولة العراقية الحديثة ، العراق بوضعه الجغرافي الحالي ، ومنذ تشكيل الدولة العراقية في بداية العشرينات من القرن الماضي ، وخروجه من النفوذ التركي – العثماني .
راجت أو روجت بعض الاحزاب المتاسلمة – الشيعية لفكرة مظلومية الشيعة ، والمتتبع لظهور هذه الفكرة سيجد انها تعود بحلتها الجديدة الى مرحلة ما بعد حرب الكويت ، حيث بدأ المجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق يغير من شعاراته ، وتوجهاته متماشياً مع أطروحات النظام الدولي الجديد ثم العولمة . فبعد ان كان يطرح فكرة الحكومة الاسلامية على الطريقة التي نادى بها السيد الخميني ، بدأ بعد حرب الكويت بالتنازل عن فكرة الحكومة الاسلامية ، وكان لابد له ان يبحث عن مبررات جديدة تضمن لمؤسسه والمنتفعين به الحفاظ على نفس الامتيازات ، ونفس الطموحات . ويبدو انهم وجدوا ضالتهم بتبني فكرة مظلومية الشيعة .
وما يفهم من هذه المظلومية ،هو أن الشيعة تعرضوا الى ظلم واضح يتجلى من خلال ابعادهم عن الحكم . ولايخفى ما بين الشعارين – الحكومة الاسلامية مقابل مظلومية الشيعة - من فوارق كبيرة ، فبعد أن كانت فكرة الحكومة الاسلامية تعني تطبيق الشريعة الاسلامية وفقاً لمذهب آل البيت ، تمشياً مع فكرة الحكومة الاسلامية التي طرحها الخميني ، والتي تخول المرجع الديني الشيعي في أن يحكم الامة ، ويطبق احكام الشريعة بالنيابة عن الامام الغائب .
تتضمن فكرة الحكومة الاسلامية عند المجلس ربط العراق بالتبعية الى ايران ، ومنح المشرع الايراني حق التشريع ، وسن القوانين . تلك الفكرة التي وان لم تعلنها قيادة المجلس ، وهو محكوم بقيادة عائلة ( آل الحكيم ) ، الا أن المتتبع لمفهوم ولاية الفقيه العامة (1)، يدرك ذلك جيداً لانه لم يكن في المجلس من بلغ درجة الاجتهاد او المرجعية ليكون بموقع الحاكم الشرعي ، حتى السيد المرحوم باقر الحكيم ، ورغم الترويج لفكرة انه بلغ مرحلة الاجتهاد ، الا انه ظل من مقلدي - تابعي –السيد الخميني ، ثم السيد خامئني من بعده ، وهذا يعني وحسب مفهوم التقليد الشيعي ، ان السيد محمد باقر الحكيم ملزم باتباع كل ما يشرعه المجتهد الاعلى او الفقيه الايراني ، سواءً اكان الخميني او خامئني او من ياتي بعدهما .وهو ملزم بحكم نظام المرجعية والتقليد باستشارة الفقيه – الولي بكل ما يتخذه من احكام .
تجلت هذه التبعية بوضوح عندما اراد السيد محمد باقر الحكيم فتح باب العلاقة بالاميركان ، فبرر موقفه هذا ممن كان يسميه بالشيطان الاكبر ، في انه أخذ اجازة او موافقة ولي أمر المسلمين على أقامة هكذا علاقة . واعتبر ذلك بحكم القرار النهائي ، او التبرير القاطع بصحة موقفه .
أن تنازل السيد الحكيم عن مشروع الدولة الاسلامية وولاية الفقيه ، يعني أنه الغى بذلك مبررات وجود المجلس الذي تشكل على اساس الرغبة والعمل من اجل تطبيق الشريعة الاسلامية في العراق . رغم أنه أصبح بذلك اكثر قبولا من قبل القوى العالمية والاقليمية . فكان شعار مظلومية الشيعة هو الترياق المنقذ . وتحول المجلس بذلك من حزب او حركة اسلامية ترفض ظاهريا ، على الاقل ، الانحياز الطائفي ، الى تجمع طائفي بدون أية أهداف دينية أو أسلامية ، فالتخلي عن مفهوم الدولة الاسلامية ، يعني ايضاً القبول بالمشاركة في الحكم بغض النظر عن قربه او ابتعاده عن الشريعة الاسلامية ، شرط التخلص من ما سمي بمظلومية الشيعة ، أي الحصول على اكبر عدد ممكن من المقاعد الوزارية للشيعة
هناك فارق اخر بين الشعارين ، اذا كان شعار الحكومة الاسلامية يكرس التبعية لايران من خلال الاقرار بولاية الفقيه العامة ، فالمظلومية تتضمن فكرة تقسيم العراق وتفتيته ، الامر الذي يحقق لايران الكثير من طموحاتها وتطلعاتها السياسية في رؤية عراق مقسم ودول مجاورة ضعيفة ، وستكون حصة ايران هي الاكبر من النتائج المترتبة على فكرة التقسيم هذه . الجنوب الغني من العراق . فدولة شيعية كهذه تظل اضعف من ان تحمي نفسها من دول الجوار الاخرى ، واقل قدرة من ان تتمكن من تحقيق اي شكل من اشكال النمو والتنمية ، اي ستسقط وحدها بدون جهد في السلة الايرانية .
نحن هنا نستقرأ الوقائع على الارض بغض النظر عما يقدمه المجلس من تبريرات لاعضائه من كون هذه الاطروحات هي مجرد تكتيكات تتطلبها المرحلة ، وخطوة اولى بأتجاه السيطرة الكلية على الحكم ، وتطبيق الشريعة الاسلامية فيما بعد .
ظل التنظيم الاسلامي – الشيعي الاخر ، حزب الدعوة اكثر حذراً في طرح مفهوم " مظلومية الشيعة " الا أنه خفف شيئاً فشيئاً من أعلان عدائه للشيطان الاكبر – اميركا والغرب - ، رغم أنه وبعد خروج الشيخ مهدي الآصفي من الحزب ، لجأ لتبني مرجعية السيد محمد حسين فضل الله ، المعروفة بأنها واحداة من المرجعيات العربية الشيعة الاكثر عداءً لاميركا . الا أن هناك من يؤشر على علاقة سرية قديمة نشأت بين أحد اطراف الحزب وبعض المؤسسات الاستخباراتية الاميركية منذ منتصف الثمانينات عندما اكتشفت الاف .بي . آي . وجود شخص متخصص بتزوير الجوازات على اراضيها تبين فيما بعد بأنه يمارس هذا التزوير لصالح حزب الدعوة ، ولم يخلى سبيله الا بعد فترة أشهر على أرضية أتفاق ما تحقق بين الطرفين ، وهناك من يعتقد أن الحزب أفتعل بعض الخلافات مع أحد قياداته ، وتظاهر بطرده ليعطي نفسه حرية الاستمرار في هذه العلاقة دون أن يلزم نفسه به ظاهرياً به(2 ). كما يؤشر البعض في كتابه " على علاقة قديمة بين السيد محمد باقر الحكيم وبعض المؤسسات الرسمية الاميركية منذ عام 1960 . (3 )
الا أن حزب الدعوة ظل والى حد قريب من غزو العراق في آذار 2003 ، متمسكاً ، ظاهرياً على الاقل بفكرة أقامة الحكومة الاسلامية او النظام الاسلامي ، ولم يتبنى شعار المظلومية الا في مرحلة متاخرة ، مع بداية أنعقاد مؤتمر المعارضة العراقية في لندن في أواخر عام 2002 ، وأتضاح النوايا الاميركية لغزو العراق . بدأ الحزب عندها يروج بين أعضائه وكوادرة فكرة أن عدم اللحاق " بالقطار الاميركي " ، قد يؤدي الى تكرار المشكلة نفسها ، أي أتفاق السنة مع الاميركان هذه المرة للسيطرة على الحكم . ويبدو أن الغاية من الترويج لهذه الفكرة هي تهيئة الحزب للقبول بالأتفاق مع من كانوا يعرفونه ب " الشيطان الاكبر " من اجل الخلاص من " الشيطان الاصغر " ، كما كانوا يسمون صدام حسين .(4)
مظلومية الشيعة :
تكلمنا عن مظلومية الشيعة ، الا أن الحديث ظل غامضاً حول هذه المظلومية . يفسر بعض الموالين للاحزاب الدينية هذه المظلومية ، على أن مصدرها كان اتفاق تم بين المندوب السامي البريطاني في العراق في بداية العشرينات ، السير بيرسي كوكس ، وعبد الرحمن النقيب ، احد علماء السنة ، على اساس تسليم الحكم في العراق للسنة شرط ابعاد الشيعة ، وحرمانهم من حقوقهم . والمشاركة بالحكم بما يتناسب مع حجمهم السكاني . أنتقاماً منهم بسبب دورهم الفعال في ثورة العشرين ضد الاحتلال البريطاني ، ومساهمتهم قبل ذلك في حركة الجهاد التي واجهت القوات البريطانية في البصرة عام 1914 .
وقصة هذا الاتفاق قامت على أساس فرضية أو تصور طرحه عالم الاجتماع العراقي المعروف الدكتور علي الوردي ، ليفسر فيه كيف ولماذا وافق عبد الرحمن النقيب على قبول تولي رئاسة او وزارة عراقية مع انه معروف بالزهد ، وسبق له ان رفض الفكرة ، ويعتقد الوردي ، ربما ان كوكس حاول ان يلعب على أوتار الطائفية ، وتخويف عبد الرحمن النقيب من أن يسلم الحكم للضباط الشريفيين أو للشيعة . فوافق وهو المعروف عنه نزعته البرجوازية والطائفية . (3)
الملاحظ أن الترويج لهذه الفكرة بدأ يظهر تماماً بعد ظهور المشروع الذي قدمه اثنان من الجنرالات الاسرائيلين ، شارون وايتان ، الذي طرحاه كحل لضمان أمن اسرائيل ، بتقسيم الدول العربية الكبيرة المجاورة لاسرائيل الى دول صغيرة على اساس طائفي وديني ، حصة العراق منها ثلاث دول : سنية ، وشيعية وكردية . لذلك نجد جذور الحديث عن مظلومية الشيعة في كتابات بعض الاكاديميين الاميركان من أصل عراقي ، خاصةً اليهود منهم . مثل اسحق نقاش ، حنا بطاطو وغيرهم (5) . كما اسهم بعض الكتاب الشيعة من اصول غير عربية في الترويج لها . واغرب ما في الامر ان اول من كتب عن هذه الفكرة ، شيعيا من اصول هندية كان قد انقلب حديثا على التسنن بعد ان تحول اليه ارضاء او طمعا في الحصول على مناصب كبيرة في ظل نظام صدام – البكر . وكان هذا الكاتب الاكثر عداءً للشيعية والوحيد الذي تجرأ على شتم الشيعة واتهام اهل النجف بانهم اولاد زانية بعد احداث شباط 1977 ، وكتب كتابا ينسب فيه التشيع للمجوسية ، وينسب ثورة الامام الحسين ، وفقه الامام جعفر الصادق الى تأثيرات الشخصية الوهمية اليهودية ، عبد الله بن سبأ وغلاة الاعاجم الذين كانوا هم النواة التي اصطنعت فكرة الامامة (6). هؤلاء كانوا الاباء الاوائل لشعار مظلومية الشيعة ، الذي وجد صداه عند رئيس المجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق . يهود صهاينة أو شيعة من اصول غير عربية لم يترددوا في أن ينقلبوا على الشيعة امام أي امتياز يحصلون او يتطلعون للحصول عليه . الا انه وبعد حرب الكويت انبرى الكثيرون ممن يبحثون عن مكاسب شخصية او بدفع من بعض الحكومات العربية او الاجنبية للرويج للفكرة، بل اعطاءها طابعا شعوبيا ، الحقد على العرب ظاهرا فيه من خلال محاولاتهم اقتلاع العرب الشيعة من جذورهم وانتماءاتهم العربية ، والايحاء وكان المذهب الشيعي يتناقض مع العروبة . اي لعبت الاموال الكويتية دورها في دفع البعض من المشكوك في عروبتهم وعراقيتهم بل وحتى اصولهم ، يتنططون بين الحسينيات الموجودة في لندن كالقردة متباكين على مظلومية الشيعة . (7 )
لكن الفكرة – مظلومية الشيعة - وبقليل من التدقيق لاتصمد امام النقاش الموضوعي المفرغ من الشحنات العاطفية او تلك المغرضة .فكوكس كان قد زار المرجع الشيعي الاعلى السيد كاظم اليزدي قبل أن يزور النقيب ، الا أن اليزدي رفض الفكرة (8 ) . أي أن كوكس لم يكن محكوم فعلاً بكره الشيعة أو العداء لهم . وكل الدلائل الاخرى تؤكد أن الشيعة أبتعدوا باختيارهم ولم يبعدوا بمؤامرة . وأذا كان هناك ثمة مؤامرة ، فمصدرها رجال الدين والعلماء الشيعة انفسهم ، وليس هناك من طرف أخر غيرهم .
مراجع الشيعة كمصدر لمظلومية الشيعة :
يعتمد رجال الدين الشيعة وعلماؤهم ومراجعهم في عيشهم على الهبات ، واموال الحقوق والخمس والزكاة التي يقدمها الميسورين من الشيعة . ونعتقد أن هذا الأعتماد سيشكل هاجس خوف دائم عندهم من احتمال خسرانه لسبب أو أخر ، لذلك يمكن ان نلمس في سلوكهم نزوع دائم لعزل شيعة العراق عن الدولة العراقية وبكل الطرق الممكنة . منها على سبيل المثال موقف السيد اليزدي ، مار الذكر اعلاه ، ثم مواقف من تلاه من المراجع . اللذين رفضوا دعوة الملك فيصل في المساهمة في تشكيل الوزارة في المراحل الاولى من توليه السلطة .
كان السيد عبد الرحمن النقيب ما زال رئيساً للوزراء عندما تم تتويج فيصل بن الحسين ملكاً على العراق . وكان الملك يميل لتشكيل وزارة وطنية تخضع لقيادته اكثر من خضوعها للانكليز ، كما هو حال عبد الرحمن النقيب . فطلب من الشيخ عبد الواحد سكر الذهاب للنجف لحث المراجع والعلماء الشيعة على تولي تشكيل الوزارة الجديدة للتخلص من نفوذ النقيب ، الخاضع بدوره لنفوذ الانكليز . الا ان العلماء واجهوا دعوة الملك وعبد الواحد سكر بالاستهجان والرفض ، الى الحد الذي أحرج الحاج سكر ، لم يعد الحاج الى الملك بل بعث له رسالة مجاملة يبلغه فيها رفض او اعتذار العلماء عن المشاركة في الحكم . (9 )
لم يتوقف جهد المراجع عند حد رفض المشاركة او المساهمة في تشكيل الوزارة ، بل تعدت جهودهم ذلك الى حد انهم حرموا التو ظف والعمل في دوائر الدولة ، كما حرموا التعامل مع بعض مؤسساتها مثل البنوك والمصارف العامة والمحاكم الشرعية ، باعتبار انها دولة غير اسلامية ، وأن أمولها التي تقدمها كرواتب هي اموال محرمة لانها مجباة بالاصل من ضرائب غير شرعية خاصة تلك التي تستوفى كضرائب من أماكن اللهو ، والمكوس على الخمر .كما حرموا الدخول في مدارس الدولة ، وهي المفتاح للعمل في مؤسساتها المختلفة ، بأعتبار انها تعلم العلوم الغير شرعية التي يمكن ان تؤثر على ايمان الطفل وتبعده عن دينه (10 ) . وظلت بعض هذه التحريمات قائمة وسارية المفعول الى نهايات الخمسينات واواسط الستينات من القرن المنصرم، بعد ان خرج الامر عن طوع المراجع وتوجه الشباب من الشيعة نحو الوظائف الحكومية غير ابهين بتلك الفتاوى ، فتم تجاوز تحريم الراتب بحيلة شرعية باعتبار ان هذه الاموال مجهولة المالك ، بما يعني جواز أستلام الراتب الشهري . ويبدو ان بعض المراجع لايريد أن يمرر هذه الفرصة بدون الاستفاده منها بالمطالبة بتطهير هذه الاموال او الرواتب المستلمة من الحكومة ، من خلال تقديم الحقوق الشرعية منها للمراجع .
نعنقد أن اعتماد رجال الدين والمراجع على الهبات العامة من أنصارهم ومؤيديهم لم يكن هو العامل الوحيد الذي يقف وراء محاولة عزل الشيعة عن دولتهم ، بل هوية المراجع الشيعية التي كانت في الغالب تنحدر من اصول ايرانية (11 )، وهي اما أنها تعكس سياسة عامة متفق عليها لاستلاب شيعة العراق من هويتهم العربية ، أو أنها تعود الى عامل سيكولوجي خاص يعود لحالة الشعور بالغربة من قبل المرجع في بيئة بعيدة عن بيئته ، فيمضي لاشعورياً وراء عملية العزل هذه في أندفاعة لا شعورية للامتزاج بما حوله تخلصاً من مشاعر الغربة هذه . ويحقق لهم السيطرة على ابناء الطائفة ، والاستقواء بهم على الحكومة .
تداخل عوامل أخرى سببت في عزل الشيعة عن الدولة
لاشك أن هناك عوامل أخرى مكنت المراجع الشيعية من النجاح في تحقيق هذا العزل لبضعة عقود ، اهمها الرواسب الادارية والنفسية التي خلفتها مواقف الدولة العثمانية من الشيعة ، حيث كانت تحرم توظيف الشيعة . اندمج هذا العامل ، مع الصورة المشوهة عن الدولة التي خلفتها السياسة العثمانية في ذهن المواطن العراقي الشيعي . الذي لم يجد في سلوك العثمانيين الاتراك ما يؤشر الى وجود دولة فعلية على الارض ، فالدولة تقدم الادارات او الوظائف لبعض المشايخ المحليين أو الجباة الغرباء ، بالاجرة، دون العناء في متابعة سلوكياتهم وتتخلى عن سلطتها لهؤلاء المشايخ مقابل شرطين أولهما تقديم مبلغ من المال يقدمه الحاكم المحلي ، يجبى هذا المبلغ عادة من المواطنين بشكل مجحف غير خاضع لضوابط قانونية ،وثانيهما تقديم بعض الشباب كجنود عند الحاجة . والتجنيد في ذلك الوقت يعني في كثير من الاحيان فقدان الابن المجند ، لسعة مساحة الدولة العثمانية وقلة وتخلف وسائل الاتصالات والمواصلات .التي تتسبب في انقطاع أخبار المجند ، الذي لايعود لاهله وعائلته عادة ، لذلك التصق مفهوم الدولة في عقل الشيعي العراقي بالظلم والاجحاف ، وصورة العصابة التي تنهب الاموال وتخطف الشباب . ولم يكن من السهل اجتثاث هذه الصورة بسرعة من عقلية المواطن العراقي من ابناء الجنوب . (12)
هناك عامل أخر لايمكن تجاوزه الحديث عند عن مظلومية الشيعة ومصادر نشؤئها، وهو أن سماحة عرب العراق ، وطيب خاطرهم في أستضافة الغريب ، شجعت الكثير من الايرانيين والهنود والافغان والاتراك وغيرهم للاقامة والاستيطان في العراق . وفي أخلص الكثيرين منهم بولائه للدولة الجديدة ، بل ومنهم من تبنى القاباً عربية رغبةً منهم للاندماج في البيئة الجديدة ، الا أن أبناء البعض الاخر ظل يعبر عن حقد غريب وسيكولوجية عصية على الفهم مشحونة بالعداء للعرب ، مستفيدين من أخطاء بعض الحركات السياسية التي تتبنى الفكر القومي العربي ، لينفثوا سمومهم من خلالها . تبنى الشيعة منهم شعار المظلومية ليحمله مأسي مختلقة لااساس لها من الصحة . ويتكلم بعضهم باسم الاسلام ليغطي توجهاته غير الصحية ، وبحجة أن الاسلام رسالة عالمية ترفض الاقرار بالقوميات .
لايمكن المرور بهذا الموضوع دون الاشارة لمبادرات الميرزا محمد رضا أبن المرجع الشيعي الاعلى محمد تقي الشيرازي في تبني ونشر فكرة تحرير العراق وتوحيده مع غيره من الاقطار العربية ، بل اعتبر هذا التوحيد ضرورة أمنية للدفاع عن العراق . ويسجل له أنه أول من طرح فكرة القومية العربية بمفهومها الحديث في العراق ، مع أنه كان يحمل الجنسية الايرانية . أزعجت هذه النشاطات بعض مشايخ الشيعة المتعاونيين مع سلطة الاحتلال البريطاني ،( وسلطة الاحتلال ايضاً )، فقدموا فيه الشكاوى الكثيرة للمندوب السامي البريطاني ليبعده عن العراق بحجة انه يثير الشغب .(13 )
شواهد على المظلومية :
في محاولة لاستثمار شعار مظلومية الشيعة أو عملية عزل الشيعة المقصود عن الدولة ، واسقاط اللوم على الدولة يستشهد البعض بقصة توظيف الشاعر محمد مهدي الجواهري في شبابه بوظيفة معلم مدرسة ابتدائية . والجواهري في حينها لم يكن الا شابا موهوباً محدود الشهرة ، ولم يكن خريج مدرسة رسمية بل تعلم القراءة والكتابة وتثقف من خلال الكتاتيب والمنتديات الثقافية المنتشرة في النجف . رفض الاستاذ ساطع الحصري توظيفه ، لان الجواهري كان يرفض والى ذلك الحين التقدم بطلب لحيازة الجنسية العراقية حاله كحالة ابناء بعض العوائل العربية الشيعية التي توجهت في زمن العثمانيين للحصول على الجنسية الايرانية ، تهربا من قسوة الحكم العثماني وتهرباً من سياسة التجنيد القسري التي يفرضها العثمانيين على المواطنيين . أضافة لما توفره هذه الجنسية من التهرب من دفع الضرائب والخاوات التي كانت تفرضها الحكومة العثمانية . ولعل من الصعب على الاستاذ ساطع فهم مثل هذه الامور ، خاصة ,انه كان قد مر على تشكيل الدولة العراقية حوالي العشر سنوات ولم يعد هناك مبرر لمثل هذه المخاوف عند محمد مهدي الجواهري او غيره ممن لم يتقدموا بتصحيح تبعيتهم او هويتهم المدنية . .
أستغل الوزير الشيعي ، الذي هو بحكم الخارج او المتمرد على فتاوى العلماء بتحريم الوظائف ، هذه الحادثة ، ليفسرها تفسيراً طائفياً ، باعتبار أن الحصري سني والجواهري شيعي . وعند التدقيق في تفاصيل القصة يصل الانسان الى النتيجة التالية : وهي أن الخلاف بين الوزير عبد المهدي المنتفكي ، ومديرالمعارف العام في الوزارة ، يعود بالاصل للتنافس بين المدير والوزير على الصلاحيات المخولة لكل واحد منهم ، والى الاختلاف والنهج الذي يتحكم بكل منهم في نظرتهم للادارة وتعبئة الموظفين ، فالوزير المتخلف في حينها ، والذي لم يدخل أي مدرسة رسمية ، يرى في الوزارة مجرد وجاهة يؤكد مصداقيتها قدرته على التوظيف الكيفي للافراد ، استجابة لطلب وجيه أخر منه ، او رغبة للتقرب لبيئة معينة أو حتى للتظاهر بالقوة والقدرة على فعل كل شئ . في حين أن ساطع الحصري كان قد درس في المعاهد والكليات الرسمية ، وتولى منصب المدير العام للمعارف ( التربية ) في الدولة العثمانية ، ثم وزيراً للمعارف في الدولة العربية التي أسسها الملك فيصل في سوريا عام 1918 . وهو يعتبر الوظيفة مجرد وسيلة لتطبيق برنامج تربوي يهدف من خلاله أعداد الكادرات الوظيفية للدولة من خلال المؤسسات التربوية ، وخلق الاجيال الجديدة القادرة على المساهمة في أدارة الدولة . فكان الصدام نتيجة حتمية لمثل هذه الفروق في العقلية والشخصية والاحساس بالمسؤولية . ونصل الى نتيجة أن ساطع الحصري ، وليس الجواهري أو عبد المهدي المنتفكي ، خضع لعملية ابتزاز طائفي ، لم تكن الطائفية في مثل هذه العمليات الا وسائل رخيصة استخدمها الوزير لتصفية حسابات أدارية مع واحد من أهم المسؤولين والخبراء المهنيين في الوزارة ، ممن يفترض أن يكونوا مثاراً للفخر عند لوزير والوزارة التي لايدرك – هذا الوزير - من آلياتها المنهجية شئ .
أن هذا الوزير الذي تظاهر بالانحياز الطائفي في موضوع الجواهري ، نراه يفقد غيرته وحميته الطائفية هذه عندما يحاول ياسين الهاشمي التفاهم مع عشيرة بني ركاب في الناصرية حينما لجأت للعصيان والتمرد ، فأرسله الهاشمي للتعرف على مطالب العشيرة وتهدئتها ، الا ان عبد المهدي المنتفكي يعود لبغداد ليطالب بضرب بني ركاب بالطائرات والمدفعية ، وينسى أنهم شيعة ، ويرفض وزير الداخلية رشيد عالي الكيلاني ذلك ، ويستخدم محافظ المدينة السني لحل المشكلة . وعند المقارنة بين الموقفين ، يتعصب عبد المهدي المنتفكي للطائفة ويقلب الدنيا من اجل توظيف معلم في المدارس الابتدائية ، ويستبيح دماء الشيعة لأنه فشل في التفاهم معهم ، بما يعني كسر هيبته ، وفشل وساطته . أي أنه ليس الا انتهازيا مصلحي يوظف الطائفية ويرفضها حسب ما تقتضي مصالحه ، وليس حمية او موقفاً مذهبيا . ( 14 )
عاد الحديث عن هذه المظلومية لفترة قصيرة في أواخر عام 1963 وحتى وفاة الرئيس عبد السلام عارف ، الذي ازداد في وقته عدد خريجي الدراسة الثانوية والجامعية باعداد كبيرة اكثر ما تتحمله طاقة الدولة للتوظيف ، وكان هناك توجه عام للعمل في دوائر الدولة لمثل هكذا خريجيين الذين يفضلون العمل الاداري الوظيفي في الدولة باعتبارها اكثر ضماناً من اية مؤسسة أخرى . فكثر الحديث عن طائفية النظام ، وسياسته المقصودة لابعاد الشيعة عن العمل في مؤسسات الدولة ، ثم جاءت القرارات الاشتراكية التي لم يتضرر منها غير كبار التجار السنة ، في الواقع ، مثل محمد حديد وفتاح باشا ، والدامرجي ، وجقمقجي وغيرهم ، الا ان المرجعية اعتبرت ان هذا مؤشر اخر على طائفية النظام لانه يؤثر على عمليات الاستيراد والتصدير الممسوكة من قبل بعض التجار الشيعة . رغم أن الاشتراكية كانت سمة العصر ، كما يقولون ، ولم ينفرد بها عبد السلام عارف ، بل تم تطبيقها في كل من السودان ومصر وسوريا ، اضافة للعديد من دول العالم التي اضاف بعضها كلمة الاشتراكية على اسم دولته للافتخار بها . الا انها في العراق فقط أُاعتبرت موقفاً طائفياً .
وتشاء الاقدار ، أن يتبرع أحد دعاة الطائفية المتشددين ، ومن اتباع آل الحكيم لترجمة وثائق الخارجية البريطانية لتلك الفترة لاثبات طائفية عبد السلام عارف لنكتشف صدفةً ومن خلال دراسة تلك الوثائق عكس ما اراد هذا الشعوبي تماماً .وهو أن تصعيد الحديث عن مظلومية الشيعة تم باتفاق مع الشاه الذي كان خائفاً من ان ينتهي التقارب العراقي – المصري ، الى قيام دولة عربية موحدة بين القطرين وما يسببه ذلك من احتمالات لتهديد الامن القومي الايراني . فبدأ بتحريك الاكراد في شمال العراق ، والمرجعية في الجنوب للضغط على عبد السلام عارف للتراجع عن مشروعه الوحدوي . عين الشاه للاشراف على هذا المشروع سفيراً جديداً متخصص بعلم النفس الاجتماعي ، ويجيد خلق الاشاعات وبثها بين العراقيين هو الدكتور البير أسته .
ورغم محاولات المترجم لكتابة مقدمات طويلة للايحاء بعكس ما يكشفه مضمون هذه الوثائق ، وعصر النصوص أملا في اضفاء الطائفية على حكم عبد السلام عارف ، الا ان الوثائق تكشف حقيقة الاتفاق بين المرجعية والشاه . وتحبط النوايا الشعوبية لهذا المترجم واسقراءاته المشوهة لهذه الوثائق . (15 )
أن عبد السلام الطائفي هذا لم يترك باباً الا وطرقه من أجل التقرب من المرجعية والتفاهم معها ، لكنها كانت ترفض تحت ذريعة استنكارها للقرارات الاشتراكية . وفي زمن عارف ، ولاول مرة في تاريخ الوزارات العراقية يتم توزير تسعة وزراء شيعة من أصل 22 وزيراً في الوزارة التي شكلها طاهر يحيى في أواخر عام 1963 . ويشكل هذا الرقم نسبة 40% من الوزراء ، وعند الاخذ بنظر الاعتبار عدد الوزراء الاكراد ، يعني أن الشيعة ولاول مرة يتقاسمون الوزارة مناصفة مع السنة ، الامر الذي لم يحصل حتى في زمن عبد الكريم قاسم الذي يبرئه البعض من الطائفية لان سياسته اتجهت لضرب القيم الاسلامية ككل ، حيث بلغت نسب توزير الشيعة في عهده 31 % ، 21% . ( 16 )
هكذا نجد أن عبد السلام هو الاخر خضع لعملية ابتزاز طائفي ، ولم يكن طائفياً في سلوكه الاداري ، ومن الصعب الحكم على نواياه ، لمجرد أنه كان متديناً سنياً بعكس الملحد العلماني عبد الكريم قاسم .
المظلومية والطائفية :
بغض النظر عن صحة أو لاصحة الحديث عن المظلومية ، فأن أحدًا ما لايستطيع أن يؤكد بأن عبد الرحمن النقيب كان يمثل الطائفة السنية بكل مكوناتها ، بالعكس أن الوثائق تثبت أنه كان يحقد ويكره الضباط الذين عرفوا بمصطلح الشريفيين ، نسبة لولائهم للشريف حسين وابنه الملك فيصل . لأعتقاده انهم لاينتمون لعائلات اجتماعية مرموقة ، وجاء بعضهم من الطبقات الاجتماعية الدنيا (17 ) . وجميع هؤلاء الضباط كانوا من السنة ، وهم الذين تولوا ادارة الدولة العراقية منذ تاسيسها حتى سقوط النظام الملكي في العراق عام 1958 . أي أن حقد النقيب كان موزعاً بالتساوي على الشيعة والسنة ، بفعل تركيبة سيكولوجية معقدة لادخل لها بالطائفية .
كما ان احداً لايستطيع أن يتنكر لوجود حس طائفي عند بعض الناس هنا وهناك ، لكن هذا الحس لم يتحول الى هوية مميِزة تفصل بين الطائفتين في العراق ، بل استمر التعايش بشكل دائم ، ولم يتصاعد الى حد الصراع . بالعكس تميز بالتعاون والتآلف ، بل الوحدة في الموقف امام أي تهديد يمكن أن تتعرض له أي من الطائفتين ، تجلت هذه الوحدة بأجمل صورها عندما هب غالبية السنة وراء زعامة الشيخ محمد مهدي الخالصي الذي انبرى لاستنكار الهجمة التي قام بها الاخوان ( جماعة وهابية متطرفة ) على بعض القبائل الشيعية على اطراف مدينة الناصرية عام 1922.وارسلت تكريت وسامراء والموصل وسنة بغداد الوفود الى كربلاء لعقد مؤتمر يطالب بمعاقبة المعتدين ووضع حد لمثل هذه الاعمال العدوانية وتسليم مهمة الدفاع عن العراق للعراقيين ، وتشكيل وتطوير الجيش العراقي ( 18 )، الذي تشكل كمطلب شيعي ، الا انه متهم بالطائفية . ومن غرائب المتناقضات حول طائفية عبد السلام عارف ، أن كل من طلاب ثانوية الناصرية من الشيعة ، ممن يرغب بدخول الكلية العسكرية ، دخلها عند توفر الشروط الصحية والبدنية لدخولها في زمن عبد الرحمن عارف ، مثل كريم عبد علي ، وعبد الحسن شكاحي ، موسى عبد الزهرة الحسيني ، رياض حميد حميدي ، ويعقوب عبد الكريم البعقوبي ، وغيرهم كثيرون .ولايخفى ما لهذه الاسماء من دلالات طائفية ، يقال ان حامليها تعيق القبول في الكلية العسكرية .
. ولم تسجل ابة حال تم فيها عدم قبول الطلاب بالكلية العسكرية وعلى اساس انتماءاتهم الطائفية
.
بالعودة للحديث عن مؤتمر كربلاء ، مقابل مؤتمر كربلاء هذا الذي دعى له الخالصي ، بحضور سني ملموس ، عقد بعض مشايخ العشائر الشيعية مؤتمراً مضاد يطالبون به بترك مهمة الدفاع عن العراق بيد البريطانيين .
هناك مرحلة اخرى من الابتزاز الطائفي ، تقع بين المرحلتين – مؤتمر كربلاء عام 1922 ، وفترة حكم عبد السلام عارف - هي ان وصول السيد ياسين الهاشمي للحكم عام 1935 ، والانحياز الظاهر للقضايا العربية في سياساته ، كان حركة شعبية شيعية ، تولاها الشيخ عبد الواحد سكر ، ومحسن ابو طبيخ ، والسيد نور الياسري وغيرهم من مشايخ العشائر الشيعية اللذين عرفوا " بجماعة الصليخ " ، فهم اللذين اوصلوا بالقوة والتمرد المسلح ياسين الهاشمي للسلطة ، ومن بعده رشيد عالي الكيلاني( 19 ) . مع ذلك يؤشر البعض على هذه الحركة القومية العربية الشيعية ، على انها حركة طائفية ، لاغين دور جماعة الصليخ فيها ، وتسخيف دورها .
وهذا ما يؤكد على سيطرة الشعوبيين من الفرس والهنود والاتراك اللذين يستعملون التشيع غطاءً لهم ، لتوجيه الحركة الطائفية ، لصالح أهدافهم في تشويه تأريخ العراق ، واستخدام شعار " مظلومية الشيعة " ، لاحباً بالشيعة ، وحرصاً عليهم بل لتحقيق أغراض سرية خاصة بهم .
أن هذا التعمد في تشويه الاحداث والتاريخ لصالح مصالح شعوبية سرية يتبدى الان بشكل واضح من خلال اضفاء تهمة الطائفية على هيئة علماء المسلمين ، ورئيسها الشيخ حارث الضاري حفيد الشيخ ضاري الزوبعي ، وابن الشيخ سليمان الضاري ، اللذين اصطدما مع القائد البريطاني لجمن والى حد قتله لانه استنكر على الشيخ ضاري الزوبعي اطاعته لفتاوى المرجعية الشيعية في النجف ، والانخراط في معارك ثورة العشرين وقطع الطريق بين القوات البريطانية وقاعدتهم في الحبانية .والاردن . ( 20 )
أن حركة الشيخ ضاري الزوبعي هذه ، ومشاركة سنة سامراء وتكريت والموصل في السير خلف قيادة الخالصي في المطالبة بتسليم مهمة الدفاع عن العراق للعراقيين ، لمواجهة حملات الاخوان على المدن الشيعية ، تعني أن السنة العرب كما هم الشيعة العرب يمكن أن يندمجوا في جسد واحد تحت لواء أي مرجعية وطنية متجاوزين الحسابات الطائفية . بما يعطي الحق للشيخ ضاري لان يطرح نفسه مرجعاً للمسلمين في العراق شيعة وسنة ،خاصة وانه يبدو اكثر التزاما بقيم التشيع امام غزو اجنبي ، فهو شيعيا وعلويا في السلوك ، مقابل تخاذل الاخرين في الحفاظ على الميراث الاخلاقي والعروبي للائمة المعصومين .
ونعتقد ان التصدي لمرجعية الشيخ حارث ما هي الا جزء من المؤامرة الشعوبية التي تحقد على كل ما هو عربي شيعياً كان ، أم سنياً ، مسلماً او مسيحياً او صابئياً او من أديان أخرى .
النتائج
نتوصل من خلال هذه الحقائق التاريخية الى
1 : أن شعار مظلومية الشيعة قد يحقق الف غرض وغرض ، الا الحفاظ على حقوق الطائفة الشيعية ، اللذين لايعنون لاصحاب مشروع مظلومية الشيعة أكثر من أدوات أو حطب لتحقيق أغراض شعوبية قديمة . وستُختزل مظلومية الشيعة بمراسيم العزاء والاحتفالات الدينية التي تمثل في الحقيقة احد المصادر المالية لبناء امبراطوريات راسمالية على حساب دماء الامام الحسين .
2: أن الاحزاب المتاسلمة أو الدينية تحولت الى مجرد جماعات تستخدم الدين والطائفة لاغراض دعائية خاصة بالقادة دون أن يكون لها برنامج ديني – أسلامي . أي تجمعات دينية بلا منهج أو برنامج ديني . ينطبق هذا على الاحزاب الشيعية كما ينطبق على الحزب الاسلامي – السني .
3 : سيعتبر اشتراك بعض الوجوه من هذه التجمعات في السلطة وتحقيق طموحاتها ، وكانه نصراً لهذه الطائفة أو تلك ، حتى على حساب دماء أبناء الطائفة ، كما حصل لابناء الطائفة الشيعية في النجف والمدن الجنوبية الاخرى ، اللذين تعرضوا لابشع جريمة ، أبان ما عرف بالانتفاضة الصدرية عام 2004 . التي قتل فيها الشيعة بمباركة من الاحزاب المتشيعة . وكما حصل في الفلوجة بمباركة الحزب الاسلامي ، الذي يطرح نفسه كممثل سياسي للسنة العرب في العراق .
4 : مهما طال الزمن بنجاح هذه التجمعات في استثمار الشعارات الطائفية ، الا انها بسقوطها هذا في حدود المصالح الضيقة لبعض رموزها ، فانها تؤسس للبنة الاولى لانتصار العلمانية ، بمعنى فصل الدين عن السياسة . وسينفض عنها مؤيديها ، الذين بدأت تتكشف للكثير منهم حقيقة ما يجري من الان .
الدكتور موسى الحسيني
كاتب عراقي متخصص بعلم النفس الاجتماعي ، والعلاقات الدولية من جامعتي لندن وسالفورد .
له عدة مؤلفات مطبوعة ، منها
1 : العراق .. بين النظام والمعارضة ، سنة 1993
2 : ساطع الحصري والخطاب الطائفي الجديد ، سنة 2000
3 : العسكر والسياسة في العراق ، سنة 2002
4 : المرجعية الشيعية والسياسة في العراق ، 2004
5 :المقاومة العراقية والارهاب الاميركي المضاد ، 2004
كتب في الكثير من الصحف والمجلات العربية
المصادر
1 : لمعرفة الفرق بين الولاية العامة والولاية الخاصة عند الفقهاء الشيعة ، راجع
- محمد جواد مغنية ، الخميني والدولة الاسلامية ، بيروت : دار العلم للملايين ، 1979 .
- روح الله الخميني ، الحكومة الاسلامية ، بلا دار نشر ، بلا تاريخ .
2 : حول موضوعة الاتفاق بين حزب الدعوة والمخابرات الاميركية وقصة الجوازات المزورة ، لاحظ : علي المؤمن ، سنوات الجمر : مسيرة الحركة الاسلامية في العراق 1957 – 1986 ،لندن ، دار المسيرة ، 1993 ، ص ك 320 – 321 . والمعروف عن هذا الكتاب انه كتب باشراف حزب الدعوة ومت قبل احد اعضائه بالاسم المستعار " علي المؤمن " .
اما عضو القيادة المقصود فهو المدعو موفق الربيعي ، الذي قيل انه اختلف مع الحزب حول اموال استلمها من السعودية ، فاعتبرها هبة شخصية خاصة ورفض تسليمها للحزب ، مما دفع لفصله او استقالته من الحزب ، الا ان هناك اعتقاد ان هذا الانفصال ،والاختلاف ماهو الا غطاء ليتمكن خلاله الربيعي من الاتصال بالاميركان بدون ان تحسب تحركاته على الحزب .
3 : د . هيثم الناهي ، خيانة النص في الخريطة السياسية للمعارضة العراقية ، لندن : دار الاندلس ،2002 ، ص : 310 .
4 : لايمكن للمتتبع الا أن يشير الى ان الدكتور ابراهيم الحعفري ، ومجموعة اخرى من قيادات وكوادر حزب الدعوة ، كانوا من الموقعين على ما سمي " بيان الشيعة" ، وهو بيان بائس ، كتب بلغة ركيكة ، مفككة ، ليؤشر الى ان الشيعة تعرضوا او يتعرضون للمظلومية ، نشره موفق الربيعي في اؤاخر عام 2002، ليؤسس به دورا لنفسه بعد لعبة انفصاله من حزب الدعوة ، ولعل البيان كتب تحضيرا لتبني الحزب لشعار المظلومية ، رغم ان قيادات حزب الدعوة وقعت البيان بصفتها الشخصية ، لابصفتها الحزبية .
ولعل في تواقيع هذه القيادات ما يؤكد صحة ما ذكرناه حول الخلافات المصطنعة مع عضو القيادة موفق الربيعي .
5 : يمكن ملاحظة ذلك في الكتب التالية :
- اسحق النقاش : شيعة العراق ، ترجمة عبد الاله النعيمي ، دمشق : منشورات دار المدى ، 1996 .
- حنا بطاطو ، العراق ، ترجمة عفيف الرزاز ، بيروت : مؤسسة الابحاث العربية ، 1990 ، بثلاثة اجزاء .
6 : لاحظ كتابي حسن عليوي هندش المعروف بحسن العلوي ، الشيعة والدولة القومية ، فرنسا : مطبوعات CEDI ،1989 .طبع الكتاب على نفقة عادل عبد المهدي ، يبدو مقابل المدح الوارد لوالده في الكتاب ، او تاسيسا مخططا وممنهج لفكرة المظلومية .
الملاحظ ان الكاتب لم يتطرق من قريب او بعيد لفترة حكم صدام حسين ، واختصر على فترتي العهد الملكي والجمهوري الى ما قبل حكم البعث .
اما كتابه الذي نسب فيه التشيع الى المجوسية والمؤامرات الايرانية فهو : دماء على نهر الكرخة ، طبع في بغداد بدون دار نشر ، عام 1980 ، وباسم وهمي هو " حسن السوداني " الا ان الكاتب عاد واعترف في كتاباته المتاخرة بكتابته ، بعد ان كشفنا امره في كتابنا " ساطع الحصري والخطاب الطائفي الجديد " .
اما شتمه لاهل النجف واتهامهم بابناء الزانية ، فقد تكرر في كتاباته في مجلة الالف باء العراقية التي كان يراس تحريرها في بغداد ، وبالاعداد الاربع التي صدرت بعد احداث صفر في النجف وكربلاء ، في شباط 1977 .
7 : الملاحظ في هذه الحملة المسعورة للدفاع عما يسمى بمظلومية الشيعة هو الربط بين التوجهات القومية العربية وهذه المظلومية ، بما يكشف الحقد الشعوبي لبعض المستوطنين في العراق على كل ما هو عربي . ولايذكر احدا منهم موقف الرئيس الراحل جمال عبد الناصر الذي فرض على علماء الازهر في وقته ادخال المذهب الشيعي في المناهج الفقهية للازهر ، كمذهب خامس .
8 : د . علي الوردي ، لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث ، لندن : دار كوفان ، 1992 ، الجزء السادس ، ص : 22 – 23 .
9 : نفس المصدر ، ص : 121 – 125 .
10 : حول تحريم العمل في الدولة ، والدخول في المدارس ، لاحظ : د . علي الوردي ، دراسة في طبيعة المجتمع العراقي ، طهران : انتشارات المكتبة الحيدرية ، 1996 ، ص : 344 – 348 .
11 : هناك تخطيط منضم وموجه على مايبدو لفرض المراجع الايرانية بغض النظر عن اعلميتها او وجود من هو اعلم منها من العرب ، كما حصل بالنسبة للشيخ محمد حسين كاشف الغطاء مقابل السيد ابو الحسن الاصفهاني ، وكما حصل للسيد محمد حسين فضل مقابل السستاني ، عندما انبرت مجموعة من التابعين لايران لتشويه صورته ، ومن يقارن بين ما كتبه محمد حسين فضل الله وما كتبه السستاني يلمس الفرق بين الاثنين بالاعلمية بغض النظر عن خبرات القارئ الفقهية . نفس الموقف حصل مع الشهيد المرحوم السيد محمد صادق الصدر ، حيث انبرى كل من اولاد الحكيم واولاد الخوئي لتشويه سمعته والصاق مختلف التهم به ، وصرفت ملايين الدولارات للتأثير في عامة الشيعة في العراق لصالح ترجيح كفة السستاني وتشويه صورتي السيدان فضل الله والصدر . يشكك السيد محمد صادق الصدر باعلمية السستاني ، بل حتى ببلوغه مرحلة الاجتهاد .
للاطلاع على معلومات كافية حول الموضوع راجع
- كتابنا المرجعية الشيعية والسياسة في العراق . وكذلك :
- عباس الزيدي المياحي ، السفير الخامس ، بيروت : ممثلية المرجع الشهيد السيد محمد الصدر في بيروت ، 2001 .
- عادل رؤوف ، محمد محمد صادق الصدر ... مرجعية الميدان ، بيروت : المركز العراقي للاعلام والدراسات ، 1999 .
12: د . علي الوردي ، دراسة في طبيعة المجتمع العراقي ، مصدر سابق ، ص : 176 .
13 : للاطلاع على الادوار التي لعبها الميرزا محمد رضا الشيرازي ، وافكاره القومية ، لاحظ :
- د . علي الوردي ، لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث ، مرجع سابق ، الجزء الخامي – القسم الاول - ، ص : 197 – 214 .
- د . وميض عمر نظمي ، الجذور السياسية والفكرية والاجتماعية للحركة القومية العربية في العراق ، بيروت : مركز دراسات الوحدة العربية ،1984 ، صفحات عديدة مختلفة ، لاحظ فهرس الاعلام ص : 469 .
14 : التفاصيل الكاملة لحقيقة الخلافات حول موضوع توظيف الجواهري راجع :
- ساطع الحصري ، مذكراتي في العراق ، بيروت :دار الطليعة ،1967 ، الجزء الاول .
وللاطلاع على تفاصيل اكثر حول القصة ، وتاريخ حياة الحصري ، وارائه التربوية ، راجع :
- د . موسى الحسيني ، ساطع الحصري والخطاب الطائفي الجديد ، بيروت : دار الكوثر ، 2000 ، الفصول 4 ، 5 ، 6 .
اما حول موقف عبد المهدي المنتفكي من ثورة بني ركاب ، يمكن العودة الى
عبد الرزاق الحسني ، تاريخ الوزارات العراقية ، بغداد : بدون دار نشر ، بدون تاريخ ، الجزء الرابع ، ص : 163 .
15 : د . حامد البياتي ، شيعة العراق .. بين الطائفية والشبهات في الوثائق السرية البريطانية 1963 – 1966 ،لندن : مؤسسة الرافد ،1997 .
16 : لاحظ :
- مجيد خدوري ، العراق الجمهوري ،بيروت : الدار المتحدة للنشر ،1974 ، ص : 324 .كذلك :
- د . موسى الحسيني ، ساطع الحصري والخطاب الطائفي الجديد ، مصدر سابق ، ص : 232 .
17 : د . علي الوردي ، لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث ، مصدر سابق ، الجزء السادس ، ص : 22 – 23 .
18 : نفس المصدر ، ص : الصفحات : 132 ، و144-152 .وكذلك
عبد الرزاق الحسني ، تاريخ الوزارات العراقية ، بغداد : بلا دار نشر ، بلا تاريخ ، الجزء الاول ، ص : 80 – 96 .
19 : عبد الرزاق الحسني ، مصدر سابق ، الجزءالرابع ، ص : 50 – 79 .
20 : د : علي الوردي ، لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث ، مصدر سابق ، الجزء الخامس ،- القسم الثاني - ، ص : 67 – 68 .
Saturday, 16 October 2010
اتفاق المبادئ .. سقوط للمالكي ، ام سقوط للاسلام السياسي
2008/02/04 ، الزمان اللندنية
اتفاق المبادئ بين بوش والمالكي حول التعاون العراقي الامريكي
المظلومية لعبة شاهنشاهيه ترتدي لباس الإسلام السياسي
المظلومية لعبة شاهنشاهيه ترتدي لباس الإسلام السياسي
د .موسي الحسيني
لا شك ان الحديث عن ما سمي بـ "إعلان المبادئ "لا يمكن ان يكتمل دون الحديث عن المالكي، نفسه. والمالكي كدور لم يصل الي منصبه الذي هو فيه، بقدرات مميزة او خاصة اهلته لمثل هذا المنصب. هو يختلف كليا عن بقية رؤساء الوزراء الشيعة الذين وصلوا لهذا المنصب في ظل الاحتلال البريطاني بقدراتهم الخاصة، كصالح جبر، فاضل الجمالي، محمد الصدر، او عبد الوهاب مرجان. فكل من هؤلاء ادرك اصول اللعبة واتقن قواعدها، فأجاد اللعبة. ولم يصل اي منهم لانه شيعي، بل كلاعب بخصائص معينة. حتي السيد محمد الصدر، رغم ان رجل العراق القوي ــ نوري السعيد ــ والسفارة البريطانية حاولا الاستفادة من عمته للقضاء علي التيار القومي العربي في العراق بعد ما عرف بثورة رشيد عالي الكيلاني، الا ان تشيعه لم يكن الاعامل مساعد، وليس هو الاصل في اختياره.
يختلف المالكي عنهم جميعا، في ان وصوله لمركزه تم علي اساس انه ممثل للشيعة والتشيع. والسؤال الذي يطرح نفسه الي اي مدى كان المالكي مخلصا للتشيع، وفيا في التزاماته للشيعة، وحرصه علي مصالحهم؟ اذا سلمنا فرضا، ان للشيعة مصالح متباينة عن مصالح بقية ابناء بلدهم من العراقيين من طوائف اسلامية اخرى، او من اديان اخرى. نفس الامر يمكن ان يقال عن حزب الدعوة، وهو حزب طائفي. لم يطرح نفسه ــ علي الاقل في مرحلة ما بعد الاحتلال ــ كحزب وطني لكل العراقيين، بل كممثل لشيعة العراق او بعض من الشيعة، رغم ان غالبية رجال الدين الشيعة يرددون ان التشيع هو جوهر الاسلام والامتداد السليم له باعتبار انه يعتمد في اساسياته الفقهية علي تفسيرات الائمة من آل البيت للدين. يعني انك ستكون بالضرورة مسلما اذا كنت شيعيا حقيقيا. فالهروب للطائفية لايجرد الشيعي من اسلامه، بل يضعه في موقف المتصلب في الدين كما تناقل تعاليمه الائمة عن جدهم رسول الله.
ما الذي بقي من اسلام حزب الدعوة ونوري المالكي بعد تحولهم لغطاء محلي او اداة بيد المحتل المندفع لتحقيق اهداف اليمين المسيحي المتصهين. دور الخادم (او الناطور بمصطلحات ادبيات حزب الدعوة نفسه) لمصالح الامبريالية العالمية علي حساب الاسلام والمسلمين، هذا الدور الذي تكلل بما يسمي بمعاهدة المبادئ، اية مبادئ. وقد سمعت ان هناك من يعتبرها نصرا او انتصارا للتشيع او الشيعة. اي تشيع واي شيعة يقصدون..!؟ علم ذلك عند الله.
لنبدأ بحزب الدعوة ، وكان قد طرح مؤسسوه عام 1961 ــ 1962، فكرته او بذوره الاولي كحزب اسلامي، يهدف للوصول للسلطة او التاثير بالقرار السياسي لمواجهة المد الشيوعي الالحادي الذي هدد الدين ورجال الدين فتنادوا لانقاذ الموقف من خلال المساهمة او الاشتراك في اللعبة السياسية، وظل الحزب حتي اواسط التسعينات يروج لفكرة انه حزب اسلامي غير طائفي، وهناك اثنين من اعضاء قيادته السرية هم من ابناء الطائفة السنية يتحرج الحزب في الاعلان عنهم، خوفا عليهم، لوجودهم في الداخل.
المصالح الغربية
ومن يقرأ ادبيات الحزب ما قبل الاحتلال سيكتشف ان للحزب موقفا متطرفا ضد التدخلات والنفوذ الاجنبي في العراق خاصة، والمنطقة العربية عامة. وهو موقف منسجم كليا مع اساسيات التشيع. وصل هذا الموقف الي حد اللاعقلانية او التعصب الاعمي في اتهام جميع الاحزاب والقوي السياسية في العراق علي انها كانت مجرد مجموعات من النواطير للمصالح الغربية في العراق، خاصة القوي القومية وجميع الانظمة التي تتالت علي حكم العراق بعد 14 تموز 1958. فقد ادرك الغرب الاستعماري او لاحظ نمو الحركة الاسلامية في العراق فراح يتامر عليها بايصال مجموعات عميلة للحكم لاحباط نمو هذه الحركة، كما يتحدث كتاب "نواطير الغرب"، وكتاب "سنوات الجمر". واذا اعتبرنا ان هذين الكتابين غير ملزمين للحزب، خاصة وانهما كتبا بأسماء وهمية.نذكر هنا بعض النصوص من كراس "بيان التفاهم"، الذي نشره الحزب بحدود عام 1982.
"ويلعب ساسة الدول الكبري ببلادنا ويقسمونها، ويستولون علي خيراتنا، ويسلطون علينا من لا يرحمنا من اليهود والعملاء، وان عذاب الانسان في فلسطين والساواك ومخابرات الحكام في البلاد العربية اوضح شاهد علي ما يقوم به المستعمرون في بلادنا علي ايدي حلفائهم اليهود واتباعهم الحكام.
واصبح الكثير من ابناء امتنا ينساق وراء العملاء الفكريين والسياسيين ويقلد حياة المستعمرين تقليد القردة دون تفكير". ص: 3 "ان الصراع السياسي والفكري مع عملاء الاستعمار احد مهمات العاملين في سبيل الله بل هو من افضل العبادات: (ومن احسن قولاً ممن دعا الي الله وعمل صالحاً وقال انني من المسلمين)" ص: 11
"ان تفريق المسلمين وضرب الحركة الاسلامية ببعض علماء الدين باستعمال سلاح التفرقة المذهبية انما هو ضلال مبين، ولا يقوم بذلك الا عميل نذل". ص: 27
نكتفي بهذه النصوص الثلاث من كراس امتلأت صفحاته الـ 58 بنصوص مشابهة، ونوجه انتباه القارئ لبعض الكلمات القاسية التي وردت في هذه النصوص مثل "القردة"، و"عميل نذل".
ما الذي تغير الان. هل تغيرت طبيعة سياسة الدول الكبري، او طبيعة الصراع مع عملاء الاستعمار..!؟
بالعكس لقد كشفت هذه الطبيعة عن وجهها الاشرس والاعنف منذ تفكك الاتحاد السوفييتي، وبروز امريكا كقوة عظمي منفردة، تتلاعب بمصير العالم، ثم وصول جماعات اليمين المسيحي المتطرف للبيت الابيض. ولم يكن حجم وطبيعة الحرب التدميرية علي العراق الا نموذج لهذا العنف والشراسة. لم يخفي الرئيس بوش اسباب استهداف العالم العربي والاسلامي بهذا العنف، عندما اعلن بعد احداث ايلول في انها حرب صليبية جديدة. متي كان المالكي مسلما فعليا من شيعة ال البيت ومتي كان قردا (حسب مصطلحات البيان)، يوم كتابة البيان، ام الآن. أو يجوز ان يستخدم الحزب مفردات مثل القرد، والنذل علي غير اعضائه، ويسكت عنهم وهم يمارسون أخس انواع جريمة الخيانة. ان هذا الموقف لا يمكن ان يوصف الا بالنفاق. والله تعالي عرف المنافقين بانهم اخوة الشياطين. واخو الشيطان هل يمكن ان يكون الا شيطان. لنترك الحكم لاعضاء الحزب، ولجماهير شعبنا من شيعة ال البيت.
يروج البعض الي ان اعلان اللامبادئ جاء انتصار للشيعة او التشيع. ويحتار الانسان بمضامين هذا الانتصار، وعلى من انتصروا..!؟
يفهم الانتصار او يربط بمقولة "مظلومية الشيعة" وهو المفهوم او الشعار الجديد الذي طرحه المجلس الاعلي بعد تخليه عن شعار تطبيق الشريعة الاسلامية واقامة الحكم الاسلامي علي شاكلة ايران، في اواسط التسعينات من القرن المنصرم: ان هذا التوجه الجديد يلغي المبررات التي تاسس عليها المجلس، ويحوله الي مجرد تكتل يشبه العصابة التي تهدف لكسب المنافع لرئيسها واعضائها، بكل الوسائل المشروعة وغير المشروعة، فكانت بدعة مظلومية الشيعة.
ومن يدقق في مسار وتوجهات الحكم في العراق، يكتشف ان هذه المظلومية التي تتمحور في جوهرها حول مقولة حرمان الشيعة في عملية توزيع الوظائف، والمراكز الحكومية الحساسة في الدولة العراقية. ولو اخذنا فرضا بصحة هذه المقولة ودققنا بها، سيكتشف الانسان ان مجتهدي الشيعة الذين كانوا في الغالب من غير العراقيين، هم من اراد عزل الشيعة العرب عن دولتهم، خوفا من ان يعزلوا هم ويفقدوا امتيازاتهم، حرموا الدخول في مدارس الدولة، والعمل في مؤسساتها، وعندما بدء الوعي يدب بين شباب الشيعة، ويتمردوا على هذا التحريم غير المنطقي، تمكن من ادرك منهم ادوات اللعبة السائدة، في العهود المختلفة من ان يصل الي أعلى المراكز الحكومية، كصالح جبر، فاضل الجمالي، محمد الصدر، عبد الوهاب مرجان، وناجي طالب وغيرهم.
وتكشف الوثائق البريطانية التي نشرها واحد من رموز المجلس الاعلي نفسه، تحت عنوان "شيعة العراق بين الطائفية والشبهات" الي ان الحديث عن هذه المظلومية تصاعد في زمن الاخوين عارف، بتنسيق بين شاه ايران، كلب الحراسة للمصالح الغربية في المنطقة، ومرجعية محسن الحكيم لمواجهة المد القومي العربي، ولاحباط مشروع الوحدة العراقية المصرية التي كانت تخيف الشاه، واسرائيل. مع ان زمن الاخوين عارف كان رئيس مجلس الخدمة المؤسسة المسؤولة عن التوظيف في بقية مؤسسات الدولة، شيعيا، كما تم في عهد الاخوين عارف، ولاول مرة تجاوز قاعدة وزيرين شيعين في كل وزارة، ليصل عدد الوزاراء الشيعة في عهد طاهر يحيي الي تسعة وزراء، وبنسبة تتجاوز 47% من مجموع الوزارة. ورغم دعوة السيد محمد الصدر ابان توليه رئاسة الوزارة شيوخ العشائر الشيعية لارسال ابنائهم للكلية العسكرية، لم يستجب له الا اربعة من الشيوخ، ولم يستمر بالخدمة الا اثنين من المتطوعين وصلا لأعلى الرتب التي يسمح بها الجيش في حينها ــ السيد حميد الحصونة ومحمد حسين الحبيب ــ وهرب الاخران بحجة انهم ابناء مشايخ يستنكفوا ان ياخذوا التحية ويقولوا سيدي لمن هوأعلى رتبة منهم، من ابناء العامة. وفي الفترة من 1966 ــ 1968، التي روج اتباع شاه ايران بانها تمثل قمة المظلومية، دخل خريجي ثانوية الناصرية الراغبين في الكلية العسكرية دون ان يكون هناك مانع من اسمائهم او هويتهم المذهبية، منهم علي ما اتذكر علي عبد الحسين، وعبد الحسن شكاحي، ورياض حميد محيدي، وموسي عبد الزهرة الحسيني، وعناد جهاد، وفوزي علوان مشعل، ورياض علي زمام. ووزعوا على الصنوف والوحدات بالتساوي مع اخوانهم من ابناء الرمادي او الموصل وغيرها من المدن. وعندما سالت الملازم (اللواء فيما بعد) رياض حميد حميدي لماذا اختار صنف النقل، قال: عيني موسي بعدنا شباب زغار بعد وقت للموت، انا موظف مدني بامتيازات ضابط، عندي 30 سيارة و30 سائق ومتونس"، واختار عبد الحسن شكاحي الصنف الاداري دون ان يجبره احدا علي ذلك. فالمظلومية كانت لعبة شاهنشاهية، تبناها المرجع محسن الحكيم ارضاء للشاه. ظهرت ثانية بقوة بعد اعلان مشروع شارون ــ ايتان عام 1982 الداعي لتقسيم العراق الي ثلاث دول علي اساس طائفي وعرقي لضمان امن اسرائيل. وجندت الموساد مجموعة من الكتاب العراقيين، غالبيتهم من يهود العراق، للترويج للفكرة.وعلى خطى ابيه تبناها باقر الحكيم، فيما بعد.
عاش شيعة العراق متاخين مع اخوانهم من السنة وابناء الاديان الاخري من مسيحيين وصابئة. وفي الناصرية كان الصابئة يدعمون المواكب الحسينية، ويبعثون الخرفان واكياس الرز دون ان يجبرهم احدا علي ذلك. ولم يحصل بتاريخ العراق ان قتل شيعيا او سنيا او يهوديا بسبب مذهبه او دينه. وحتي في زمن صدام عاش الشيعي حياة طبيعية كغيره، شرط ان لا يتدخل بالسياسة. واول رجل دين ممن تعرضوا للقتل في زمن النظام السابق، كان سنيا وليس شيعيا هو الشيخ عبد العزيز البدري. واول مرة تمنع فيها شعائر العزاء الحسيني، كانت في زمن عبد الكريم قاسم وليس في زمن صدام حسين. شكلت بغداد خاصة بوتقة للتعايش والتفاعل بين ابناء المذاهب المختلفة من خلال التزاوج والاشتراك بالعمل.
دعاة المظلومية
اين هو الانتصار، ومن هو المنتصر، ودبابات الاحتلال الامريكي هشمت حتي عظام امواتنا في مقبرة السلام بالنجف، وهدمت السياج الخارجي لحضرة الامام علي، وتعرضت القبة والمنائر لصليات الرصاص، وتناثرت جثث الشيعة من ابناء النجف في الشوارع. ثم كشف لنا بريمر بانه كان يخضع للتحريض من دعاة المظلومية بضرورة الاستمرار بهذا القتل والتخلص من السيد مقتدي الصدر. ثم من يتعرض الان للقتل في الديوانية والسماوة على ايدي مرتزقة ما يعرف بقوات بدر، اليس هم ابناء الطائفة الشيعة. يعرف المالكي كما يعرف جميع قيادات الشيعة، لو كتب غدا لعزيز الحكيم ان ينفرد بحرية اتخاذ القرار، فان المالكي نفسه وجميع اعضاء حزب الدعوة، وجميع مناصري التيار الصدري سيكونوا اول ضحاياه، وسيبدو الحجاج رحيما بالشيعة، مقارنة بعزيز الحكيم.
تقول اخر احصائية عن عدد الضحايا في العراق، انه بلغ مليون قتيل، مليونا معوق، واربعة ملايين مشرد. واذا سلمنا بالاحصائيات التقريبية التي تقول ان الشيعة يشكلون الاغلبية في العراق. الا يعني هذا ان اغلبية هؤلاء الضحايا، هم من الشيعة.
سيقول القائل ان المتسبب بهذا هو تنظيم القاعدة. ولا نريد ان نطيل علي القارئ ونكرر ما قلناه سابقا في كتاب "المقاومة العراقية والارهاب الامريكي المضاد" ومقالات اخري منشورة. من ان القاعدة ليست الا لعبة امريكية استخدمها الاحتلال لاحباط ومحاصرة المقاومة العراقية. والا اين كانت القاعدة في زمن النظام السابق ومن ادخل ادواتها الي العراق، وقد انهكت السي. اي. ايه نفسها بحثا عن خيط ولو رفيع جدا عن علاقة النظام مع القاعدة، فلم تجد.
سيقول القائل ان المتسبب بهذا هو تنظيم القاعدة. ولا نريد ان نطيل علي القارئ ونكرر ما قلناه سابقا في كتاب "المقاومة العراقية والارهاب الامريكي المضاد" ومقالات اخري منشورة. من ان القاعدة ليست الا لعبة امريكية استخدمها الاحتلال لاحباط ومحاصرة المقاومة العراقية. والا اين كانت القاعدة في زمن النظام السابق ومن ادخل ادواتها الي العراق، وقد انهكت السي. اي. ايه نفسها بحثا عن خيط ولو رفيع جدا عن علاقة النظام مع القاعدة، فلم تجد.
يفهم من المظلومية، وكأنها فقط مظلومية آل الحكيم، الذين ابتدعوا بدعة جديدة في تراث المرجعية والتشيع، بتوارث امتيازات المرجعية، اما الشيعة ليسوا الا خرافا عليهم ان يستعدوا للذبح، قرباناَ، من اجل تحقيق هذه الامتيازات، وارضاء للتوجهات المرضية لابناء الله من آل الحكيم، والا فهم متهمون بالردة، والتخلي عن حب الامام الحسين وآل البيت.
يتميز الشيعة عن غيرهم من المسلمين في انهم لايأخذون بالنص الماخوذ عن النبي (ص)، الا الوارد من خلال الائمة الاطهار من ال البيت، باعتبار ان الاخرين بشر غير معصومين من الزلل والخطأ، في حين عصم الله الائمة من الخطأ.فالامامة هي المبدأ الاساس الذي يميزهم عن بقية المسلمين. فتأتي احاديث الائمة وسيرتهم كجزء متمم او مكمل، او تفسيرا للسنة النبوية.
فهل في تحالف القوي المتأسلمة الشيعية مع الاحتلال ينسجم ويتساوق مع سيرة واحاديث ائمة ال البيت الاطهار. ذلك ما سنناقشه في الجزء التالي من هذه المقالة.
يتميز الشيعة عن غيرهم من المسلمين في انهم لايأخذون بالنص الماخوذ عن النبي (ص)، الا الوارد من خلال الائمة الاطهار من ال البيت، باعتبار ان الاخرين بشر غير معصومين من الزلل والخطأ، في حين عصم الله الائمة من الخطأ.فالامامة هي المبدأ الاساس الذي يميزهم عن بقية المسلمين. فتأتي احاديث الائمة وسيرتهم كجزء متمم او مكمل، او تفسيرا للسنة النبوية.
فهل في تحالف القوي المتأسلمة الشيعية مع الاحتلال ينسجم ويتساوق مع سيرة واحاديث ائمة ال البيت الاطهار. ذلك ما سنناقشه في الجزء التالي من هذه المقالة.
ان مراجعة سيرة ال البيت، وخطبهم وادعيتهم تؤشر الي ردة ال الحكيم وحزب الدعوة عن التشيع، والاسلام، ماداموا يقولون ان التشيع هو روح الاسلام. يفترض ان سيرة الائمة الاطهار وخطبهم وادعيتهم تكمل بعضها بعضاً لتشكل الاطار الفقهي العام للمذهب الجعفري او التشيع، او الفهم الشيعي للاسلام.وتجاوز هذه السيرة يمثل من وجهة النظر الشيعية خللا في فهم الاسلام.
ان موقف الائمة التسعة الذين تتالوا على موقع الامامة بعد ثورة الحسين، تتميز بالرفض او المعارضة السلمية للحكم في العهدين الاموي والعباسي. والمعارضة السلمية لاتعكس موقف خوف او تخاذل من الائمة الاطهار، بل هو نهج الغاية منه الحفاظ على وحدة المسلمين، والا فان الشجاعة تمثل شرطاً اساسياً من شروط الامامة، والمرجعية ايضاًَ، ولا ينقص الائمة القدرة على التأمر مع دول الاعداء في الخارج وهي تحيط بالدولتين علي امتداد تاريخهما. وبقدر ما نجد من احاديثهم ما ينهي عن التعامل او العمل في نظام حكم ظالم او لا يلتزم باساسيات الدين، نجد انهم يمثلون بمواقفهم حالة من الحرص الشديد علي دولة الاسلام، أي انهم كانوا يفرزون بين مفهوم الدولة ونظام الحكم، ويدعون للدفاع عن الدولة باعتبارها ملكا لجميع المسلمين، حتي وان كانت محكومة بنظام جائر او من قبل حاكم جائر. تتجسد هذه المفاهيم واضحة من خلال نصين.
الاول: وهو للامام علي زين العابدين، يستنكر فيه العمل او التوظف في خدمة نظام حكم جائر، بعد ان عمل احد اتباعه في خدمة الدولة الاموية، يقول النص:
"أوليس بدعائهم اياك حين دعوك جعلوك قطبا اداروا بك رحي مظالمهم، وجسرا يعبرون عليك الي بلاياهم، وسلما الي ظلالتهم، داعيا الي غيهم، سالكا سبيلهم. يدخلون بك الشك علي العلماء، ويقتادون بك قلوب الجهال اليهم. فلم يبلغ اخص وزرائهم ولا اقوي اعوانهم الا دون ما بلغت من اصلاح فسادهم واختلاف الخاصة والعامة اليهم، فما اقل ما اعطوك في قدر ما اخذوا منك، وما ايسر ما عمروا لك في جنب ما خربوا عليك. فانظر لنفسك فانه لا ينظر لها غيرك، وحاسبها حساب رجل مسؤول..." (عقائد الامامية للشيخ محمد رضا المظفر، ص: 112 ــ 113).
ولا اعتقد ان المالكي يستطيع ان يقول بعدل وشرعية حكومة الاحتلال التي تستخدمه كواجهة لتحقيق الاهداف التي جاءت من اجلها، وجيشت الجيوش عبر الاف الكليو مترات لتأتي لاحتلال العراق، وتدمير كل بناه التحتيه وقتل اهله بالملايين. ونعتقد ان المالكي او غيره ممن يحملون ألقاباً رنانة لا يستطيع القول انه حاكم حقيقي مستقل، وانه ليس الا موظفا يعمل تحت امرة السفير الامريكي وبتوجيه منه، محكوم بالعمل وفقا للمنهج الذي تحدده له السفارة. وتصريح المالكي حول هذا الدور وبانه لايمتلك السلطة لتحريك جندي واحد، معروف، وتناقلته وكالات الانباء، وسمعه الملايين.. فهو موظف واجهة بلا صلاحيات الا في القضايا البسيط والجزئية التي لا تؤثر علي سياسة الدول المحتلة وتوجهاتها.
هل يمتلك المالكي او عبدالعزيز الحكيم أي مبرر شرعي او فقهي حتي يخرجا علي مفهوم الامام زين العابدين عن العمل في خدمة الاحتلال. ولا نعتقد ان احدا يستطيع القول ان هناك ظلما ما وقع علي الشعب العراقي اكثر مما يقع الان في ظل الاحتلال، ولم يميز هذا الظلم بين شيعي او سني، فرصاص المحتل لم يكن طائفيا. بالعكس نجد ان المالكي وامثاله يدركون المعاني والمفاهيم الاساسية في مقولة الامام علي زين العابدين. ففي مقدمة البرنامج الذي طرحه المجلس الاعلي للثورة الاسلامية في العراق في بداية تأسيسه، والذي شارك فيه حزب الدعوة قبل ان يتحول الي حزب خاص بال الحكيم، يحذر البيان من التعاون مع الاستكبار العالمي لانه سيستخدم من يتعاون معه من المسلمين كمخلب قط ضد اهله وشعبه.
النص الثاني: دعاء الثغور للامام زين العابدين ايضا، وهو دعاء طويل يدعو فيه الامام للدفاع عن اراضي الدولة الاسلامية، نشرة في فترة حكم عبد الملك بن مروان، فهو دعوة لمناصرة الجيش الاموي، نفس الجيش، الذي قتل اباه واعمامه واخوته، واسره وبقية عياله. فهل اراد الامام ان يجامل بني امية، او هل طرح دعائه جاء بضغط او اكراه سلط عليه. الكل يعرف انها مبادرة شخصية من الامام، ولغة الدعاء لاتخلوا من التطرف والغلو في اظهار الحقد والكره لجيوش الاعداء، والحب المطلق لجنود الدولة الاسلامية. والدولة الاسلامية عند الامام، تستمد هويتها من سكانها، واكثريتهم في الغالب مسلمون من غير الشيعة، بغض النظر عن طبيعة الحكم، والحاكم. يرفض الامام رفضا قاطعا السماح لقوات اجنبية ان تنتهك اراضي المسلمين، او تقوض دولتهم، رغم انها محكومة بنظام جائر، قتل اباه واهله.
وعندما يطرح الشيعي الامام زين العابدين، جانباَ من سلسلة الائمة، هل يستقيم المذهب الجعفري الاثني عشري، ام يصبح شيئاً اخر لا اثر للتشيع فيه. التقدير هنا متروك لاعضاء حزب الدعوة، والشيعة عموما.
دعم مجتهدو الشيعة علي اختلاف توجهاتهم وجنسياتهم هذه المبادئ التي وردت في دعاء الثغور، وجسدوها كقواعد فقهية عند الحديث عن الجهاد. فقسموا الجهاد الي قسمين، جهاد بدائي: ويعني قيام المسلمين بغزو ارض غير اسلامية بهدف نشر الاسلام، واشتروطوا لتحقيق ذلك ان يتم تحت قيادة امام معصوم فقط. وجهاد دفاعي، للدفاع عن بلاد المسلمين ضد غزو اجنبي من قبل قوات غير مسلمة، واعتبروه واجباً علي كل مسلم. لذلك افتي مجتهدو الشيعة للجهاد ضد الغزو الايطالي لليبيا عام 1911، ولمقاومة الغزو البريطاني للعراق عام 1914.
ان موقف الائمة التسعة الذين تتالوا على موقع الامامة بعد ثورة الحسين، تتميز بالرفض او المعارضة السلمية للحكم في العهدين الاموي والعباسي. والمعارضة السلمية لاتعكس موقف خوف او تخاذل من الائمة الاطهار، بل هو نهج الغاية منه الحفاظ على وحدة المسلمين، والا فان الشجاعة تمثل شرطاً اساسياً من شروط الامامة، والمرجعية ايضاًَ، ولا ينقص الائمة القدرة على التأمر مع دول الاعداء في الخارج وهي تحيط بالدولتين علي امتداد تاريخهما. وبقدر ما نجد من احاديثهم ما ينهي عن التعامل او العمل في نظام حكم ظالم او لا يلتزم باساسيات الدين، نجد انهم يمثلون بمواقفهم حالة من الحرص الشديد علي دولة الاسلام، أي انهم كانوا يفرزون بين مفهوم الدولة ونظام الحكم، ويدعون للدفاع عن الدولة باعتبارها ملكا لجميع المسلمين، حتي وان كانت محكومة بنظام جائر او من قبل حاكم جائر. تتجسد هذه المفاهيم واضحة من خلال نصين.
الاول: وهو للامام علي زين العابدين، يستنكر فيه العمل او التوظف في خدمة نظام حكم جائر، بعد ان عمل احد اتباعه في خدمة الدولة الاموية، يقول النص:
"أوليس بدعائهم اياك حين دعوك جعلوك قطبا اداروا بك رحي مظالمهم، وجسرا يعبرون عليك الي بلاياهم، وسلما الي ظلالتهم، داعيا الي غيهم، سالكا سبيلهم. يدخلون بك الشك علي العلماء، ويقتادون بك قلوب الجهال اليهم. فلم يبلغ اخص وزرائهم ولا اقوي اعوانهم الا دون ما بلغت من اصلاح فسادهم واختلاف الخاصة والعامة اليهم، فما اقل ما اعطوك في قدر ما اخذوا منك، وما ايسر ما عمروا لك في جنب ما خربوا عليك. فانظر لنفسك فانه لا ينظر لها غيرك، وحاسبها حساب رجل مسؤول..." (عقائد الامامية للشيخ محمد رضا المظفر، ص: 112 ــ 113).
ولا اعتقد ان المالكي يستطيع ان يقول بعدل وشرعية حكومة الاحتلال التي تستخدمه كواجهة لتحقيق الاهداف التي جاءت من اجلها، وجيشت الجيوش عبر الاف الكليو مترات لتأتي لاحتلال العراق، وتدمير كل بناه التحتيه وقتل اهله بالملايين. ونعتقد ان المالكي او غيره ممن يحملون ألقاباً رنانة لا يستطيع القول انه حاكم حقيقي مستقل، وانه ليس الا موظفا يعمل تحت امرة السفير الامريكي وبتوجيه منه، محكوم بالعمل وفقا للمنهج الذي تحدده له السفارة. وتصريح المالكي حول هذا الدور وبانه لايمتلك السلطة لتحريك جندي واحد، معروف، وتناقلته وكالات الانباء، وسمعه الملايين.. فهو موظف واجهة بلا صلاحيات الا في القضايا البسيط والجزئية التي لا تؤثر علي سياسة الدول المحتلة وتوجهاتها.
هل يمتلك المالكي او عبدالعزيز الحكيم أي مبرر شرعي او فقهي حتي يخرجا علي مفهوم الامام زين العابدين عن العمل في خدمة الاحتلال. ولا نعتقد ان احدا يستطيع القول ان هناك ظلما ما وقع علي الشعب العراقي اكثر مما يقع الان في ظل الاحتلال، ولم يميز هذا الظلم بين شيعي او سني، فرصاص المحتل لم يكن طائفيا. بالعكس نجد ان المالكي وامثاله يدركون المعاني والمفاهيم الاساسية في مقولة الامام علي زين العابدين. ففي مقدمة البرنامج الذي طرحه المجلس الاعلي للثورة الاسلامية في العراق في بداية تأسيسه، والذي شارك فيه حزب الدعوة قبل ان يتحول الي حزب خاص بال الحكيم، يحذر البيان من التعاون مع الاستكبار العالمي لانه سيستخدم من يتعاون معه من المسلمين كمخلب قط ضد اهله وشعبه.
النص الثاني: دعاء الثغور للامام زين العابدين ايضا، وهو دعاء طويل يدعو فيه الامام للدفاع عن اراضي الدولة الاسلامية، نشرة في فترة حكم عبد الملك بن مروان، فهو دعوة لمناصرة الجيش الاموي، نفس الجيش، الذي قتل اباه واعمامه واخوته، واسره وبقية عياله. فهل اراد الامام ان يجامل بني امية، او هل طرح دعائه جاء بضغط او اكراه سلط عليه. الكل يعرف انها مبادرة شخصية من الامام، ولغة الدعاء لاتخلوا من التطرف والغلو في اظهار الحقد والكره لجيوش الاعداء، والحب المطلق لجنود الدولة الاسلامية. والدولة الاسلامية عند الامام، تستمد هويتها من سكانها، واكثريتهم في الغالب مسلمون من غير الشيعة، بغض النظر عن طبيعة الحكم، والحاكم. يرفض الامام رفضا قاطعا السماح لقوات اجنبية ان تنتهك اراضي المسلمين، او تقوض دولتهم، رغم انها محكومة بنظام جائر، قتل اباه واهله.
وعندما يطرح الشيعي الامام زين العابدين، جانباَ من سلسلة الائمة، هل يستقيم المذهب الجعفري الاثني عشري، ام يصبح شيئاً اخر لا اثر للتشيع فيه. التقدير هنا متروك لاعضاء حزب الدعوة، والشيعة عموما.
دعم مجتهدو الشيعة علي اختلاف توجهاتهم وجنسياتهم هذه المبادئ التي وردت في دعاء الثغور، وجسدوها كقواعد فقهية عند الحديث عن الجهاد. فقسموا الجهاد الي قسمين، جهاد بدائي: ويعني قيام المسلمين بغزو ارض غير اسلامية بهدف نشر الاسلام، واشتروطوا لتحقيق ذلك ان يتم تحت قيادة امام معصوم فقط. وجهاد دفاعي، للدفاع عن بلاد المسلمين ضد غزو اجنبي من قبل قوات غير مسلمة، واعتبروه واجباً علي كل مسلم. لذلك افتي مجتهدو الشيعة للجهاد ضد الغزو الايطالي لليبيا عام 1911، ولمقاومة الغزو البريطاني للعراق عام 1914.
هل يحق للمالكي ان يدعي انه شيعي او ما يزال فعلا ملتزما بخط ال البيت، وهو لم يكتف ان يكون جسرا يعبر عليه الاحتلال لترسيخ وجوده في العراق، وسلما لارتقاء الاحتلال الي حد تحقيق اهداف الصهيونية العالمية الرامية لاخراج العراق من دائرة الصراع العربي ــ الصهيوني. يؤكد احد نصوص بيان التفاهم علي ان: "وسيلجأ الاستعماريون واذنابهم الي لباس الاسلام ليمتص النقمة الشعبية الاسلامية، ويبعد بعضنا عن بعض.فلا ينخدع أحد بألاعيب الاستعمار الكافر" ص: 12. ما هو موقع المالكي الان، وفقا لهذا النص. اليس هو موقع الذنب..؟
كيف يرتضي لنفسه ان ينخدع بألاعيب الاستعمار، وبمحض ارادته.
انها لمفارقة غريبة، تلك التي تجري في العراق. عمائم ومسابح ولحي تتكلم بأسم الاسلام، وتستظل بظل دستور كتبه الصهيوني نوح فالدمان. وتركض وراء عدو يقوده اليمين المسيحي المتصهين، لتتفق معه علي ضرورة ان يبقي قواته في العراق لحماية هذا الدستور، وتدعي ان كل ذلك انتصار للاسلام، بأعتبار ان التشيع يمثل جوهر الاسلام..!؟
ماذا بقي، او ماذا ابقت عمائمهم من الاسلام والتشيع. اليست هذه هي المظلومية بعينها للتشيع والشيعة عندما يريدون ان يحولوا التشيع الي مرتكز وقاعدة يبني عليها اليمين المسيحي المتصهين قواعده، لينطلق لتحقيق اهدافه.
لاول مرة ارى ان الحسين مات مظلوما، وانا ارى ان دماءه تستثمر للترويج لاعداء الاسلام، وتغيب تلك المعاني السامية بثورته.
موقف المرجعية
لا يستطيع الانسان وهو يناقش ردة حزب الدعوة وانقلابه على التشيع والاسلام، ان يتجاوز دور المرجعية. وقد ذكرنا في مقالة سابقة، كيف ان المرجعية ومبدأ الاجتهاد ما هو الا صناعة بشرية تبناها علماء الشيعة في وقت متاخر بأكثر من 500 سنة علي غيبة الامام المهدي. وان القدسية التي اراد اعوان الاحتلال من المتشيعين اضفائها على المرجع ــ السيستاني ــ كانت تهدف لتضليل جماهير الشيعة والسيطرة عليهم من خلال اضفاء قدسية وهمية لا سند شرعي يدعمها على المرجع الذي قالوا انه حرم علي الانسان زوجته ان لم ينتخب قائمة الائتلاف. مع ان الحقيقة ان لا المجلس الاعلي الاسلامي، ولا حزب الدعوة يؤمنون بمرجعية السيستاني. أي يعتبرونها مرجعية ناقصة او لا تمتلك مؤهلات الاعلمية. المجلس كان يقلد الخميني ومن بعده خامئني. وعليه اعتمد باقر الحكيم عندما اراد تبرير تعاونه مع الاحتلال. فاعلن في اواخر عام 2002، انه اخذ الاجازة من ولي امر المسلمين بالتعامل مع الوضع الدولي الجديد وطبيعة التغيرات الجارية في العراق. ولا يؤمن حزب الدعوة بدور المرجعية في تقرير سياساته، ويضع المرجع بموضع المستشار، للعودة له عند الضرورة للتعرف علي الحكم الشرعي في القضايا الغامضة. وحتي الساعات الاولى من احتلال بغداد، كان الحزب يخصص مرجعيته بين اثنين هما الحائري والسيد محمد حسين فضل الله. والارجحية كانت للثاني. وموقف السيد فضل الله من الاحتلال معلن ومعروف. اما السيستاني فتعوزه الاعلمية لكي يكون مرجعا جامعا للشرائط بالنسبة للطرفين. والتركيز عليه كان بهدف استثمار مكانته عند شيعة العراق لتخديرهم والسيطرة عليهم وكسب تعاطفهم. اي تكتيكا سياسيا، انتهازيا.
وتلاشي ذاك التطبيل لقدسية المرجع بعد ان انجز العملاء ما ارادوا من خلال هذه القدسية المصطنعة.
فنجدهم يوقعون مثل هذا الاتفاق الخطر علي تاريخ العراق، والتشيع، والاسلام عموما، دون العودة للمرجع، او دون ان يقولوا لنا ما هو موقف المرجعية منه. انه موقف اخر من مواقف النفاق. فالمرجع الذي ظل رموز الائتلاف يتقاطرون عليه كل يوم قبل ما يسمى بلعبة الانتخابات. يًركن الان على جنب ويلفه النسيان كما هو الامام زين العابدين. وفي مقابلة مع عبد العزيز الحكيم على تلفزيون العراقية قبل حوالي الثلاثة اشهر، كرر عشرات المرات كلمة المرجعية، وضرورة العودة لها ويقصد بمرجعيته الجديدة الدستور الذي وضعه فيلدمان، ولم يأتي ولا مرة واحدة على ذكر مرجعية السيستاني.
يقول علماء الشيعة ان وظيفة المرجع هي تبصير الناس بالحكم الشرعي الصحيح في قضايا دينهم ودنياهم، ولا نعتقد ان هناك من حاجة للمرجع اكثر الآن ليقول رأيه الشرعي بما يجري من ظلم، واستهتار باموال المسلمين وارضهم ووجودهم. وليس هناك من حق اكثر من رفض هذه المظالم التي يمارسها الاحتلال على ارض العراق. ليس الكاتب، ولا اي من البشر من قال: الساكت عن الحق شيطان اخرس. فهل تحولت مؤسسات الشيعة من احزاب ومرجعيات بايدي شياطين تبحث عن اشباع نزعاتها الشيطانية في الدنيا على حساب الاخرة...!؟ وهل بقي شيء من مبادئ التشيع لم ينتهك بأعلان المبادئ، بل هل بقي شيء من الهوية الاسلامية للاحزاب المتشيعة ــ المتاسلمة. انها لقرمطية جديدة..!؟
كيف يرتضي لنفسه ان ينخدع بألاعيب الاستعمار، وبمحض ارادته.
انها لمفارقة غريبة، تلك التي تجري في العراق. عمائم ومسابح ولحي تتكلم بأسم الاسلام، وتستظل بظل دستور كتبه الصهيوني نوح فالدمان. وتركض وراء عدو يقوده اليمين المسيحي المتصهين، لتتفق معه علي ضرورة ان يبقي قواته في العراق لحماية هذا الدستور، وتدعي ان كل ذلك انتصار للاسلام، بأعتبار ان التشيع يمثل جوهر الاسلام..!؟
ماذا بقي، او ماذا ابقت عمائمهم من الاسلام والتشيع. اليست هذه هي المظلومية بعينها للتشيع والشيعة عندما يريدون ان يحولوا التشيع الي مرتكز وقاعدة يبني عليها اليمين المسيحي المتصهين قواعده، لينطلق لتحقيق اهدافه.
لاول مرة ارى ان الحسين مات مظلوما، وانا ارى ان دماءه تستثمر للترويج لاعداء الاسلام، وتغيب تلك المعاني السامية بثورته.
موقف المرجعية
لا يستطيع الانسان وهو يناقش ردة حزب الدعوة وانقلابه على التشيع والاسلام، ان يتجاوز دور المرجعية. وقد ذكرنا في مقالة سابقة، كيف ان المرجعية ومبدأ الاجتهاد ما هو الا صناعة بشرية تبناها علماء الشيعة في وقت متاخر بأكثر من 500 سنة علي غيبة الامام المهدي. وان القدسية التي اراد اعوان الاحتلال من المتشيعين اضفائها على المرجع ــ السيستاني ــ كانت تهدف لتضليل جماهير الشيعة والسيطرة عليهم من خلال اضفاء قدسية وهمية لا سند شرعي يدعمها على المرجع الذي قالوا انه حرم علي الانسان زوجته ان لم ينتخب قائمة الائتلاف. مع ان الحقيقة ان لا المجلس الاعلي الاسلامي، ولا حزب الدعوة يؤمنون بمرجعية السيستاني. أي يعتبرونها مرجعية ناقصة او لا تمتلك مؤهلات الاعلمية. المجلس كان يقلد الخميني ومن بعده خامئني. وعليه اعتمد باقر الحكيم عندما اراد تبرير تعاونه مع الاحتلال. فاعلن في اواخر عام 2002، انه اخذ الاجازة من ولي امر المسلمين بالتعامل مع الوضع الدولي الجديد وطبيعة التغيرات الجارية في العراق. ولا يؤمن حزب الدعوة بدور المرجعية في تقرير سياساته، ويضع المرجع بموضع المستشار، للعودة له عند الضرورة للتعرف علي الحكم الشرعي في القضايا الغامضة. وحتي الساعات الاولى من احتلال بغداد، كان الحزب يخصص مرجعيته بين اثنين هما الحائري والسيد محمد حسين فضل الله. والارجحية كانت للثاني. وموقف السيد فضل الله من الاحتلال معلن ومعروف. اما السيستاني فتعوزه الاعلمية لكي يكون مرجعا جامعا للشرائط بالنسبة للطرفين. والتركيز عليه كان بهدف استثمار مكانته عند شيعة العراق لتخديرهم والسيطرة عليهم وكسب تعاطفهم. اي تكتيكا سياسيا، انتهازيا.
وتلاشي ذاك التطبيل لقدسية المرجع بعد ان انجز العملاء ما ارادوا من خلال هذه القدسية المصطنعة.
فنجدهم يوقعون مثل هذا الاتفاق الخطر علي تاريخ العراق، والتشيع، والاسلام عموما، دون العودة للمرجع، او دون ان يقولوا لنا ما هو موقف المرجعية منه. انه موقف اخر من مواقف النفاق. فالمرجع الذي ظل رموز الائتلاف يتقاطرون عليه كل يوم قبل ما يسمى بلعبة الانتخابات. يًركن الان على جنب ويلفه النسيان كما هو الامام زين العابدين. وفي مقابلة مع عبد العزيز الحكيم على تلفزيون العراقية قبل حوالي الثلاثة اشهر، كرر عشرات المرات كلمة المرجعية، وضرورة العودة لها ويقصد بمرجعيته الجديدة الدستور الذي وضعه فيلدمان، ولم يأتي ولا مرة واحدة على ذكر مرجعية السيستاني.
يقول علماء الشيعة ان وظيفة المرجع هي تبصير الناس بالحكم الشرعي الصحيح في قضايا دينهم ودنياهم، ولا نعتقد ان هناك من حاجة للمرجع اكثر الآن ليقول رأيه الشرعي بما يجري من ظلم، واستهتار باموال المسلمين وارضهم ووجودهم. وليس هناك من حق اكثر من رفض هذه المظالم التي يمارسها الاحتلال على ارض العراق. ليس الكاتب، ولا اي من البشر من قال: الساكت عن الحق شيطان اخرس. فهل تحولت مؤسسات الشيعة من احزاب ومرجعيات بايدي شياطين تبحث عن اشباع نزعاتها الشيطانية في الدنيا على حساب الاخرة...!؟ وهل بقي شيء من مبادئ التشيع لم ينتهك بأعلان المبادئ، بل هل بقي شيء من الهوية الاسلامية للاحزاب المتشيعة ــ المتاسلمة. انها لقرمطية جديدة..!؟
Subscribe to:
Comments (Atom)